فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 397

إذًا قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} تدل على أن الأصل في إهداء ثواب الأعمال عدم القبول، لا يصلي أحدٌ عن أحد، ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ، أما مسألة من مات وعليه صوم صام عنه وَلِيّه فعلى الخلاف، هل المراد بها النذر أو المراد به الصيام المعتاد؟ الظاهر أن المراد به النذر، حينئذٍ يحمل على أو يقيد بهذا وما عداه فيبقي على أصله. ومقصودي من هذا أن الأصل هو عدم المشروعية إلا بنصٍ فإن جاء وحيٌ فعلى العين والرأس، أما الآراء والأقيسة فلا تقبل في ذاك، لماذا؟ لأنه لا تخصيص إلا بدليل بوحي لأن الآية عامة {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} . إذًا ذهب الشافعي إلى أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الوتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته، ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنصٍ ولا إيمان، ولم يُنقل عن أحد ولم يُنقل ذلك عن أحدٍ من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. هذا كلام ابن كثير رحمه الله تعالى ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. يقول ابن كثير: وباب القربات يختصر فيه عن النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، بمعنى أننا تأتي إلى مسائل ونقيس بعضها على بعض ما دام أنه جاز في الصدقة إذًا يجوز الحج مطلقًا، أو جازت الصدقة إذًا نختم ختمه كاملة عن ميتنا، نقول: لا، ليس عندنا قياس هنا. وليس عندنا آراء ولا اجتهادات، وإنما لا بد من نصٍ، وباب القربات يُقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوصٌ من الشارع عليهما، فمناط الثواب والعقاب إذًا على هذا مناط الثواب والعقاب على عمل العامل نفسه وليس غيره، مهما عَمِل فلا يقبل منه البتة فالأصل فيه عدم انعقاده إلا ما جاء النص بتخصيصه.

وأما الأنساب فهذه لا عبرة بها كما قال تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ} [المؤمنون: 101] حينئذٍ تتقطع الصلات يوم القيامة وقال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] ، {وَمِن ذُرِّيَّتِي} هكذا قال إبراهيم عليه السلام فعمَّ، عم ماذا؟ الصالح والظالم، لكن الله عز وجل خصّ قال: ... {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} ، أما الصالح فنعم، وأما الظالم فلا، لماذا؟ لأن العبرة هنا بالعمل وموافقة الشرع وليست العبرة بكونه من ذرية إبراهيم أو عدم ذلك، فلما جعل الله إبراهيم إمامًا سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته، فأجيب إلى ذلك، وأُخْبِرَ أنه سيكون من ذريته ظالمون، قد يقول إبراهيم قد يقال بأن إبراهيم لا يدري بأنه سيقع الظلم من بعض ذريته، فأجيب إلى ذلك وأُخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون وأنه لا يُنالهم عهد الله ولا يكونون أئمةً فلا يُقتدى بهم، وكونه من ذرية إبراهيم لا ينفعهم لكونهم ظالمين، فعهد الله لا ينال الظالمين ولو كان من ذريته إبراهيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت