فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 397

يعني: الزراعة، الصناعة حرفة الصانع، وكل علمٍ أو فنٍ مارسه الإنسان حتى يمهر فيه ويصبح حرفةً له، علم سواء دنيوي أو فنٍ مارسه الإنسان صار صنعة له حرفة يعني: عنده ملكة بهذا العلم، والصنعة عمل الصانع وحرفته، فمن خصال أهل الجاهلية الافتخار والتعاظم والتعالي بالحرف على من ليس مثلهم في هذه الصنعة، بل ويحتقرون أهلها ويتنقصونهم ويرونهم دونهم في المنزلة، وهذا يعني: ليس خاصًا بأرباب الصنائع في هذا الزمان نقول: مثلها المناصب والشهادات فمن افتخر بشهادته فهو في خصلة من خصال أهل الجاهلية، ومن افتخر بمنصبه فهذه خصلة من خصال أهل الجاهلية، ليس المراد الصنعة فحسب، إنما المراد كل ما لم يكن من الشرع إلا افتخار إلا بالدين {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] فلا موازنة بين الناس لا بالنسب - كما مر في المسألة السابقة من ذرية الأنبياء ومن دونه من بابٍ أولى - ولا مساواةً بين من يعمل الصالح وبين من لا يعمل، إذًا الموازنة إنما تكون بالعمل الصالح {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} لا بحرفته ولا بصنعته ولا بجاهه ولا بماله ولا بنسبه، كل ذلك ليس بشيءٍ في ميزان الشرع، إنما الميزان {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3] هذا هو الميزان وما عداه سواء مثلنا بالأمثلة التي ذكرها المصنف أو ما عداها لا وزن له البتة. قال المصنف: ... (كفعل أهل الرحلتين على أهل الحرث) ومراده بأهل الرحلتين قريش رحلة الشتاء والصيف التي امتنَّ الله عليهم بها قال تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ} [قريش: 1، 2] . قال ابن جرير: الصواب أن اللام لام التعجب {لِإِيلَافِ} قيل أنها سورة تابعة لـ (ألم ترى) السابقة، وقيل أنها سورة مستقلة والعمل على هذا، أن اللام لام التعجب يعني في قوله: {لِإِيلَافِ} . كأنه يقول أعجبوا {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} ونعمتي عليهم في ذلك، ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} [قريش: 3] إذًا الشكر على الاجتماع وعلى ما يكون نعمةً إنما يكون بعبادة رب البيت {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} أي: فليوحدوه بالعبادة، فافتخروا بذلك يعني: بالرحلتين على أهل الحرث أي: الزراعة قالوا: لأن العرب كانوا يكرهون الزراعة ويرونها ذلًا، ولذلك افتخروا عليهم بما ذكر، وهم كانوا تجارًا يعني: قريش حرصين على جمع المال والإفضال ولذلك قيل سموا قريشًا من الْقَرْش بفتح القاف وإسكان الراء، والتقرش هو التكسب والجمع، يقال: فلان يَقْرَشُ أو يَقْرُشُ لعياله ويَقْتَرِشُ أي: يكتسب. إذًا قريش مأخوذ من الْقَرْش وهو الاكتساب والجمع وكانوا تجارًا لذلك لهم الرحلتان، وسبق قول [نوح] قوم نوحٍ له {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} [هود: 27] {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] قيل: الأرذلون هنا الحاكة ونحوهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت