يعني: الطعن في مقاصد الأتباع أنهم ما تَبِعُوا الأنبياء إلا من أجل لقمة العيش كما يقال، نقول: هذا طعن لأتباع الأنبياء. فمن خصال أهل الجاهلية رميهم الذين اتبع الرسل بأنه ما اتبعوهم وآمنوا بهم إلا من أجل أن يحصلوا على شيءٍ من مطامع الدنيا فليسوا على رضًا وقناعة بالرسل وما جاءوا به، وهذا ينافي الإخلاص، إذًا طعموا في إخلاصهم لكونهم لأنهم فقراء وإذا كانوا فقراء فحينئذٍ ما تابعوا الأنبياء إلا من أجل ماذا؟ إلا من أجل الأكل والشرب ونحو ذلك، وهذا طعن في إخلاصهم، فأجابهم الله تعالى بقوله: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} ما دام أنهم آمنوا واستسلموا لشرع الله ظاهرًا الباطن ليس لك فيه شيءٌ البتة، وهذا خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - فغيره من باب أولى وأحرى، إذا كان النبي لا يطالب منه عليه الصلاة والسلام أن يبحث عن بواطن الناس وإنما يُكتفى بظواهرهم حينئذٍ صار العمدة هو ذلك، فقولهم: مخلصين أو ليسوا مخلصين هذا ليس شأننا في البحث عنهم، فأجابهم الله بقوله: ( {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} [الأنعام: 52] ) . أي: إنما حسابهم على الله تعالى. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: أي حساب هؤلاء الذين أردت أن تطردهم موافقةً لمن طلب ذلك منك هو على أنفسهم، ما عليك منهم شيء، وحسابك على نفسك ما عليهم منه شيءٌ البتة، فعلام تطردهم، بل قد زكّاهم الله تعالى يعني هؤلاء الذين رغبوا في طردهم من مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - زكَّاهم الله تعالى. قال: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] أي: أنهم مخلصون في عبادتهم لا يردون بذلك إلا وجه الله تعالى أي يتوجهون بذلك إليه لا إلى غيره، ونوحٌ عليه السلام لما قال له قومه: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] . الاستفهام هنا للإنكار {أَنُؤْمِنُ لَكَ} أي: كيف نتبعك ونؤمن لك والحال أن قد {اتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} وهم الأقلون جاهًا وأموالًا، استرذلوهم لقلة أموالهم وجاههم وقيل: كانوا من أهل الصناعات الخسيسة - كما مر معنا - أجابهم نوحٌ بقوله: {وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الشعراء: 112] وما علمي بما يعملون كان زائدة كما قال الشوكاني رحمه الله تعالى، والمعنى وما علمي بعملهم أي: لم أكلف العلم بأعمالهم، إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان والاعتبار به، لا بالحرف والصنائع والفقر والغناء، كُلِّفَ الأنبياء والرسل بأن يأمروا الناس بإتباع الشريعة، حينئذٍ إن أتوا بها ظاهرًا انتهت مهمتهم، وأما البحث عن بواطن الناس فليس من شأن الأنبياء ولا غيرهم، {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} [الشعراء: 113] أي: ما حسابهم والتفتيش عن ضمائرهم وأعمالهم إلا على الله عز وجل لو كنتم من أهل الشعور والفهم.