(الثالثة بعد المائة: الكفر بالملائكة) . الإيمان بالملائكة ركن من أركان الستة فلا يتم إيمانُ عبدٍ حتى يؤمن بها كلها الستة، فإن آمن بخمسٍ منها حينئذٍ لا يكون مؤمنًا حتى يأتي بهذه الأركان الستة، والمراد بالإيمان بالملائكة هو التصديق بوجودهم أنهم موجودون خلقٌ من خلق الله عز وجل خلقهم من نور، وأنهم عبادٌ لله لا يُعْبَدُون هم عِبَاد فلا يُطلبون بالعبادة، وأن منهم رسولًا لله تعالى وهذا إيمانٌ إجمالي، إذ الأركان الستة منها ما هو إجمالي، ومنها ما هو تفصيلي، الإجمالي هو هذا، والتفصيلي أن يُذكر كل مسألةٍ جزئيةٍ تحت هذا الركن فيؤمنوا بها، إن علمها وجب عليه التصديق بها وإن لم يعلمها فلا يضره الجهل بها، وأما الأصل فلا بد من مما ذكر. وأما التفصيلي فهو الإيمان بكلّ ما أخبر الله به في كتابه أو أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أحوالها وصفاتها ومميزاتها .. وهكذا، وعدم الإيمان بالملائكة هو من خصال بعض أهل الجاهلية، إذ ليس كلهم ينكر وجودها، فمنهم من أنكر وجود الملائكة كالدهريِّين الذين ينكرون الخالق، من أنكر الخالق أنكر الملائكة من باب أولى وأحرى، حينئذٍ ينسب إلى الدهريِّين أنهم ينكرون وجود الملائكة، لماذا؟ لكونهم أنكروا وجود الخالق جل وعلا، ومن أنكر وجود الخالق أنكر وجود الملائكة، فمنهم من أنكر وجود الملائكة كالدُّهريِّين الذين ينكرون الخالق جل وعلا، وفرعون كذلك لأن من أنكر الخالق فإنكار الملائكة من بابٍ أولى، وأما ما حكاه الله عز وجل عن فرعون أنه قال: {أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} [الزخرف: 53] كيف فرعون يُنكر وجود الملائكة وهو يقول: هذا الكلام؟ قل: هذا ذكره محاكاةً لموسى يعني: حكى لفظ موسى عليه السلام، فإنه قاله حكاية للفظ موسى وقريش وبعض العرب تؤمن بوجود الملائكة، حكا الله عنهم في كتابه أنهم قالوا: {وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} [الأنعام: 8] دل ذلك على أنهم يؤمنون بوجود الملائكة، وقالوا كذلك: {لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} [الفرقان: 21] إذًا يؤمنون بوجود الملائكة، إلا أنهم ينكرون بعضها بمعنى أنهم يؤمنون بوجود الملائكة جملةً، وينكرون بعض الملائكة كما قال أبو جهلٍ لعنه الله حين أنزل الله تعالى في شأن جهنم: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 30] . قال أبو جهل: أسمعوا ابن أبي كبشة - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهر، أفيعجز كلُ عشرةٍ منكم أن يبطش برجلٍ من خزنة جهنم - بمعنى أنه تسعة عشر يعني كل عشرة يستطيع أن يهزموا واحد عقليًّا - فظاهر قوله إنكار وجودها يعني خزنة جهنم، وأما الإيمان المجمل فالظاهر أن قريشًا يثبتون ذلك، ومنهم من عبد الملائكة أثبت وجود الملائكة وغلا، أولئك جَفَوْا وهؤلاء غلوا، قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] . دلّ على أن الملائكة عُبِدَتْ من دون الله تعالى {قَالُوا سُبْحَانَكَ} [سبأ: 41] الآية.