الجواب: لا، لأنه ذكر في المسألة السابقة (السابعة بعد المائة: الكفر باليوم الآخر) إذًا التكذيب بلقاء الله بالمعنى الآخر وهو الرؤية، حينئذٍ كل من نفى الرؤية مِمَّنْ ينتسب إلى أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فله سلفٌ من الجاهليّين، فيحتمل معنيين رُؤْيَتَهُ أو رُؤْيَتُهُ جل وعلا بالأبصار معاينةً، كما في قوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} [الأحزاب: 44] . وقوله: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ} [الكهف: 110] . استدل أهل السنة بهاتين الآيتين على إثبات الرؤية، ولقاء الله هنا لا يكون إلا معاينةً بالأبصار، ولذلك احتج السلف على إثبات الرؤية بآيات اللقاء، والرؤية ثابتة بإجماع بل هو من المعلوم من الدين بالضرورة، ولذلك ثَمَّ رواية عن الإمام أحمد رحمه الله أن من أنكر الرؤية كفر. وهو كذلك.
والمعنى الثاني: أنه يوم القيامة. كما في قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس: 15] . قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: قال الذين لا يخافون عقابنا ولا يوقنون بالمعاد إلينا ولا يصدقون بالبعث. ففسر ماذا؟ نفي اللقاء هنا بالبعث. وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ} [فصلت: 54] . وقال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللهِ} [الأنعام: 31] . هذه الآيات حُمِلَت على اليوم الآخر وما بعده كما قال ابن جرير وغيره، ولكن لا تنفي الرؤية، فكل لفظٍ فيه لقاء الله تعالى فحينئذٍ يثبت به أمران:
الأول إثبات اليوم الآخر، وما بعده يعني: يوم القيامة وما بعده من تفاصيل.
-وكذلك يثبت به الرؤية، ولذلك نقول الرؤية أدلتها قطعية بمعنى أنها لا تحتمل الشك البتة، فردها حينئذٍ يكون كفرًا وردةً عن الإسلام.
ولكن الظاهر من صنيع المصنف هنا أنه أراد ماذا؟ لأنه ذكر المسألة السابقة الكفر باليوم الآخر فحينئذٍ لا نكرر المسألتين بمعنًى واحد نجعل الأولى في اليوم الآخر كلفظها، والثاني التكذيب بلقاء الله المراد به الرؤية.
والظاهر من صنيع المصنف أنه أراد المعنى الأول فأراد الرد على نفات الرؤية فلهم سلفٌ من الجهمية وما شاكلهم، وجاء الشرع بمخالفة هديهم فأثبت لقاء الله تعالى أنه من الإيمان بالله قال - صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه» كما في بعض الروايات «ورسله وتؤمن بالبعث» وقال - صلى الله عليه وسلم: «ولقاؤك حق» . وتوعد الله تعالى المكذبين بلقائه كما مر في الآيات السابقة، تفصيل المسألة من حيث الرد على أهل البدع ونحوها ليس المقام يسمح بذلك، إنما هو في كتب المعتقد.