(الحادية عشرة بعد المائة: الإيمان بالجبت والطاغوت) . يعني: التصديق لهذين المعبودين. من خصال أهل الجاهلية مطلقًا سواءٌ كانوا أمِّيِّين أو كتابيِّين التصديق بالجبت والطاغوت كما أخبر الله عنهم في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] . وهذه الآية بوب لها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بابًا في كتاب (( التوحيد ) )وهذه المسألة فيها تفصيل طويل عريض يأتي في موضعه، والمراد هنا الإشارة إلى أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت. أما الْجِبْت فرُوِيَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. ورُوِيَ أيضًا عن ابن عباس، ورُوِيَ عنه الجبت الشيطان بالحبشية. يعني: الجبت هو الشيطان بالحبشية، وعنه الشرك الجبت هو الشرك، وعنه الجبت الأصنام، وعن الشعبي: الجبت الكاهن. وعن ابن عباس: الجبت حيي بن أخطب. يعني: فسره بشخص واحد، وله مناسبة. وعن مجاهد: الجبت كعب بن الأشرف. وقال الجوهري: الجبت كلمةٌ تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. وهذا هو المعتمد أنها لفظٌ عام يشمل كل ما مضى، وأما الطاغوت فقال جابر: هم كهانٌ تنزل عليهم الشياطين. وقال مجاهد: الطاغوت الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه وهو صاحب أمرهم. وقال مالك: هو كل ما يُعبد من دون الله عز وجل. وهذا يأتي بحثه في كتاب (( التوحيد ) )ومرة في أوائل الكتاب، ولا تضاد بين هذه المعاني المختلفة إذ يجمعها معنًى واحد، وهو أن الجبت والطاغوت اسمان لكل مُعَظَّمٍ بعبادةٍ من دون الله أو طاعةٍ أو خضوعٍ له. يعني: كل مَعْبُود أو مَتْبُوع سواءٌ كان المعظم حجرًا، أو إنسانًا، أو شيطانًا، أو قانونًا، أو نحو ذلك. قال ابن جرير رحمه الله تعالى بعد ذكر تفسيرات السلف للجبت والطاغوت: وإذا كان كذلك وكانت الأصنام التي كانت في الجاهلية تُعبدها وكانت معظمةٌ بالعبادة من دون الله تعالى فقد كانت جبوتًا وطواغيت، فكل ما كان يُعبد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - من جهة المشركين وهي جبوتٌ وطواغيت، وكذلك الشياطين التي كانت تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر، والكاهن اللذان كان مقبولًا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله، وكذلك حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف لأنهما كانا مطاعين في أهل ملتهما من اليهود في المعصية بالله والكفر به وبرسوله، وكان جبتين وطاغوتين. إذًا حمل ابن جرير جميع المعاني وفسَّر بها الجبت والطاغوت وهو كذلك، كل ما عبد من دون الله سواءٌ كان راضيًا أم لا يسمى طاغوتًا سواءٌ كان حجرًا أم غيره، ولشيخ الإسلام محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى تقسيمٌ للطواغيت في آخر (( الأصول الثلاثة ) )- مر معنا - وله رسالةٌ خاصةٌ في ذلك وسيأتي بحثها في محله إن شاء الله تعالى. وجاء ديننا مخالفًا لما عليه أهل الجاهلية فجعل الكفر بالطاغوت أحد ركني كلمة التوحيد، فلم يؤمن إلا بالكفر بالطاغوت بالمعاني السابقة كلها شيطانًا، ساحرًا، كاهنًا، أيًّا كان مذهبه. قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} [البقرة: 256] .