وهي لا إله إلا الله، بل هو دعوة عامة الرسل كم حكى الله عز وجل عنهم في قوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .
إذًا الجبت والطاغوت آمن بهما أهل الجاهلية وواجبٌ علينا الكفر بهما، وأما التفاصيل اللاحقة بهاتين أو بهذه المسألة يأتي بحثها في كتاب (( التوحيد ) )بإذن الله تعالى.
(الثانية عشرة بعد المائة: تفضيل دين المشركين على دين المسلمين) . (تفضيل) يعني: تقديم (دين المشركين على دين المسلمين) وإذا قُدِّمَ دين المشركين فهو تقديم لهم، وإذا قدموا على المسلمين فهو تقديم للشرك على الإسلام لأنه إذا، وتقديمٌ للمشركين على المسلمين، فتفضيل دين المشركين إذا قدم وفضل دين المشركين فقدمه، فجعلهم فاضلين وجعل المسلمين مفضولين، وقد دل على ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا} [النساء: 51] . هذا الشاهد لهذه المسألة أي: يفضلون الكفار على المسلمين لجهلهم وقلة دينهم وكفرهم بكتاب الله تعالى الذي بأيديهم، وقد جاء في سبب نزول الآية عن عكرمة قال: جاء حيي بن أخطب وكعبٍ بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل كتاب. يعني قريش قالوا لهذه الحبرين: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمدٍ؟ يعني: ما قولكم فينا وخلافنا مع محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. فقالوا: ما أنتم ومحمد. يعني: ما الذي أنتم فيه فقالوا: نحن نصل الأرحام. والنبي - صلى الله عليه وسلم - قطعها، نحن نصل الأرحام وننحر الكوماء. الكوماء الناقة العظيمة السنان، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العاني ونسقي الحجيج، ومحمدٌ - صلى الله عليه وسلم - قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج من غفار فنحن خيرٌ أم هو؟ فقالوا: أنتم خيرٌّ وأهدى سبيلًا. يعني: أنتم خيرٌ من محمدٍ وأهدى سبيلًا يعني طريقًا، فأنزل الله هذه الآية. قال ابن كثير: وقد رُوِيَ هذه من غير وجهٍ عن ابن عباسٍ وجماعةٍ من السلف. يعني: سبب نزول الآية. وهنا مع كون الأمر حصل من أهل الكتاب لقريش موافقةً في الظاهر، انتبه هنا حصل ماذا؟ هل هم قالوا: أنتم أهدى سبيلًا من محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - من قلوبهم أم موافقةً في الظاهر ومجاملةً لهم؟ الظاهر أنه الثاني ومع ذلك كفرهم الله عز وجل، وبين أنهم آمنوا بالطاغوت. وهنا مع كون الأمر حصل من أهل الكتاب لقريش موافقةً في الظاهر فقط وسماه إيمانًا، الله عز وجل سماه إيمان فحصل الإيمان فدل على أن الموافقة للكفار على ما هم عليه من غير إكراهٍ إيمانٌ بما هم عليه ولو لم يتعقد بقلبه. قاله الشيخ الفوزان في شرحه، إذًا تفضيل دين المشركين على دين المسلمين هذا من سِيمَا أهل الجاهلية والمسألة فيها بحثٌ يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.