فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 397

(الثالثة عشرة بعد المائة: لبس الحق بالباطل) . اللبس هو الخلط، فالمراد هنا لبس الحلق بالباطل هو خلطهما بحيث يشتبهان، فلا يتميز أحدهما عن الآخر، وهذا من خصال أهل الجاهلية لا سِيَّمَا أهل الكتاب. قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71] . وقال سبحانه: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 42] . نهي تحريم {وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} . يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى ناهيًا لليهود {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} ناهيًا لليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق بالباطل وتمويهه به وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل، {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} فنهاهم عن الشيئين معًا: اللبس، والكتمان. ولا شك أن الكتمان داخلٌ في اللبس بمعنى أن من صور عكس من صور الكتمان هو لبسه، يعني: لبس الحق بالباطل، فنهاهم عن الشيئين معًا وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} لا تخبطوا الحق بالباطل والصدق بالكذب، وكلّ ما مضى من المسائل المتعلقة بأهل الكتاب وغيرهم هي من صور لبس الحق بالباطل كما مرّ معنا في تحريف التوراة والإنجيل والإيمان ببعض الكتاب والكفر بالآخر، كذلك إيمانهم أول النهار والكفر في آخره، وهو مسألةٌ خاصة قد خالفهم هدي نبينا - صلى الله عليه وسلم - في هذه الخصلة، فإن الله تعالى حرّم لبس الحق بالباطل وشنّع على من فعل ذلك وأمر ببيان الحق كما هو من عند الله تعالى واضحًا لا لبس فيه ولا غموض. قال تعالى: {وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] . والبيان ضد اللبس، {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} قال ابن كثير: هذا توبيخٌ من الله وتهديدٌ لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وأن ينوهوا بذكره في الناس فيكون على أهبةٍ من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه فكتموا ذلك، وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف والحظ الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتَهم أو صفقتُهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفي هذا تحذيرٌ للعلماء. يقول ابن كثير: وفي هذا تحذيرٌ للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويُسلك بهم مسلكه فعلى العلماء أن يبذلوا ما في أيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح ولا يُكتموا منه شيئًا. وقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من سئل عن علمٍ فكتمه ألْجِمَ يوم القيامة بلجامٍ من نار» . انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى. وأمر - صلى الله عليه وسلم - بالنصح للأمة كما قال عليه الصلاة والسلام «الدين النصيحة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت