فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 397

(المسألة الرابعة عشرة بعد المائة: كتمان الحق مع العلم به) . ... (كتمان الحق) قالوا: كتم الشيء كتمًا وكتمانًا ستره وأخفاه، فهو كاتمٌ وكَتُوم، والمراد هنا إخفاء دلائل الحق مِنْ مَنْ علم بها عمن لم يعلم بها، وهذه إنما يصدق على أهل الكتاب دون الأُمِّيِّين لأنه ليس عندهم علمٌ وليس عندهم كتاب، وهذا يدل على أن هذه الخصلة من خصال أهل الكتاب فقط دون الأُمِّيِّين لأنهم ليس لديهم معرفةٌ بالحق. قال الله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} . فيه كتمان العلم، وقال سبحانه: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: 15] . فيه إخفاء {وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} ، وقال سبحانه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146] . الآيات في هذا المعنى كثيرةٌ جدًا تدل على أن أهل الكتاب كان من خصائصهم وخصالهم كتمان الشهادة الحق، وجواب هذه المسألة كالسابقة إذ لبس الحق بالباطل نوعٌ من كتمان العلم، ولذا قابل الله بينهما في قوله: {وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] قابل هذا بذاك. قال قتادة: هذا ميثاق الله تعالى على أهل العلم فمن علم علمًا فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة. وسبق حديث «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجامٍ من نار» . وقال - صلى الله عليه وسلم: ... «بلغوا عني ولو آيةً» ولو كان المُبَلَغُ آيةً، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 159، 160] . قال ابن كثير رحمه الله تعالى: هذا وعيدٌ شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى في لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله. قال أبو العالية: نزلت في أهل الكتاب كتموا صفة محمد - صلى الله عليه وسلم -. ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء. يعني: من كتم الحق يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: فكما أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء، والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء سيلعنهم الله فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. يعني دواب الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت