فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 397

(السادسة عشرة بعد المائة: التناقض الواضح لما كذبوا بالحق، كما قال تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ} [ق: 5] ) يعني: مختلف مضطرب، وكل من ترك السنة فلا بد أن يقع في بدعة، كل من خرج عن التوحيد وقع في الشرك، كل من خرج عن الإيمان وقع في الكفر .. هكذا، لأن هذه المسائل كلها متقابلة تقابل النقيضين، إما مؤمن وإما كافر، إما موحدٌ وإما مشرك، إما سني وإما بِدْعِي .. وهكذا، قد يجتمع فيه ما لا يخرجه نعم، لكن هذا في الجملة. (التناقض) التخالف والتعارض بين المصنف رحمه الله تعالى أن أهل الجاهلية متناقضون فيما بينهم (التناقض الواضح) الذي لا يحتاج إلى تدليل، وذلك (لما كذبوا بالحق) الذي جاءهم من عند الله تعالى على ألسنة رسله، فنتيجةً لهذا التكذيب صاروا في: ( {فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ} ) كما قال الله تعالى. قال سبحانه: ( {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ} ) . أي: وهذا حال كل من خرج عن الحق مهما قال بعد ذلك فهو باطل، والمريج هو المختلف المضطرب الملتبس. وبين الله تعالى أن على هذا الاضطراب هو تكذيبهم بالحق، حينئذٍ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، كل من كذب بالحق فلا بد أن يكون أمره مختلفٌ مضطرب، ومن أمثلة اضطرابهم أهل الشرك اختلافهم في المعبودات التي عبدوها من دون الله تعالى وتعددها، فقومٌ يعبدون اللات، وقومٌ يعبدون العزة، وقومٌ يعبدون ودًّا، وقومٌ يعبدون سواعًا، .. وهكذا. بل الواحد منهم قد يعبد صنمًا، ثم يستبدله بآخر يأتي [موديل] جديد فيغير السابق، نقول هذا يعتبر ماذا؟ يدل على ماذا؟ يدل على أنه متناقضٌ في نفسه، وتناقضهم في الحكم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فزعموا تارةً أنه كاهن، ومرةً أنه مجنون، ومرةً أنه ساحر، ومرةً أنه شاعر، ومرةً أنه كذّاب مفترٍ وهكذا، هذا يعتبر تناقضًا، وأهل الكتاب كذلك اضطربوا في شأن عيسى ابن مريم عليه السلام فقالوا: إنه ابن الله تارة، ومرةً قالوا: إنه الله، ومرةً قالوا: ثالث ثلاثة، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 72] . وقال سبحانه: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} [المائدة: 73] . وقال سبحانه: {وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ} [التوبة: 30] . إذًا هذه كلها ثابتة في الكتاب وهي واضحة، وقد خالفهم نبينا - صلى الله عليه وسلم - فإنه آمن بالحق كله كما سبق، ولم يكذب بشيءٍ منه فانتفت العلة التي لأجلها وجد الاضطراب والاختلاف كما قال سبحانه: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء: 82] .

إذًا التناقض الواضح الذي لا يحتاج إلى تدليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت