(السابعة عشرة بعد المائة: الإيمان ببعض المنزل دون بعض) . بيَّن المصنف في هذه المسألة ما كان عليه أهل الجاهلية من الكتابيِّين من الإيمان ببعض ما أنزل الله، التصديق به دون بعضه الآخر فيكفرون به، ففرقوا بين ما أنزل الله وهو حقٌّ واحد، كله من عند الله عز وجل، وكله وحيٌ، فإما أن يؤمنوا به كله، وإما أن يكفروا به كله، إما هذا أو ذاك، وأما التفريق بين المتماثلين هذا مصادمٌ للشرع والعقل، لأنه إن آمنتم ببعضه فهو حقٌّ، والبعض الذي كفرتم به هو عين البعض الذي آمنتم به فهو وحيٌ، فلماذا حينئذٍ تفرقون بين المتماثلين؟ وذلك تناقض. قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 84، 85] . نزلت هذه الآية في اليهود فأنكر الله عليهم يعني: كانوا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنكر الله عليهم وما كانوا يعاونونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج وهم الأنصار كانوا في الجاهلية عبّاد أصنامٍ، وكانت بينهم حروبٌ كثيرة وكان يهود المدينة - مر معنا ثلاث قبائل - بنو قينقاع، وبنو النضير وهؤلاء حلفاء الخزرج، وبنو قريظة وهؤلاء حلفاء الأوس. فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريقٍ مع حلفائه فيقتل اليهودي أعداءه، حينئذٍ اليهود دخلوا مع الأعداء حلفاء وقد يقتل اليهودي يهوديًّا وهذا محرمٌ عليهم [في الكتاب] في كتابهم فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر وذلك حرامٌ عليهم في دينهم ونص كتابهم، ويخرجونهم من بيوتهم وينتهبون ما فيها من الآثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها تفادوا الأوسار من الفريق المغلوب عملًا بحكم التوراة، يعني: يكون ثم أسراء بينهم حينئذٍ يفدونهم عملًا بالتوراة، ولهذا قال: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} . أي: تفادونهم بحكم التوراة وتقتلونهم، وفي حكم التوراة أن لا يقتل ولا يُخرج من داره وما يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا. وقال الله عز وجل {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} [الرعد: 36] . قال مجاهد: هم أهل الكتاب يُنكرون بعض القرآن.