أولًا: لاستغنائه بحفظه واعتماده على ضمان الله منه بقوله: {سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى} [الأعلى: 6] . وقيل: سمي بذلك لنسبته إلى أم القرى، وفيه نظر والأول أو الثاني هو الأشهر، النبي - صلى الله عليه وسلم - سمي أُمِّيًّا لكونه لا يقرأ من كتابٍ، لا يكتب ولا يقرأ من كتابٍ فهم قوم أميون لا يقرؤون ولا يكتبون في الغالب، وأيضًا ليس عندهم كتاب قبل نزول القرآن كما قال الله تعالى ... {وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ} ... [سبأ: 44] . والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمي أيضًا لا يقرأ ولا يكتب وجاء بهذا الكتاب العظيم هذا دليل على صدق رسالته وفي ذلك آية له - صلى الله عليه وسلم -.
إذًا لاستغنائه بحفظه عن الكتابة والقراءة، ولكونه جاء بهذا القرآن العظيم وهو لا يقرأ ولا يكتب دل على أن القرآن حق، وأن دعواه أنه نبي رسول مرسل من عند الله عز وجل حق، لأن هذا الكتاب معجز في ذاته بحرفه وتراكيبه والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقرأ ولا يكتب، إذًا من أين أتى به؟ من عند الله عز وجل، فالعرب أميون ونبيهم - صلى الله عليه وسلم - أمي، إذًا اجتمعا أمة أمية وأرسل الله عز وجل إليهم نبيًّا كذلك هو أمي، وأما أهل الكتاب فسموا بذلك فرقًا بينهم وبين غيرهم ممن ليس لهم كتاب، إذًا قوله رحمه الله تعالى: (الكتابيين والأميين) . هذا فيه تفصيلٌ لأهل الجاهلية لئلا يظن الظان بأن من كان ذا كتاب خرج عن الوصف بكونه من أهل الجاهلية، فأهل الجاهلية لا يختص بأمة لا تقرأ ولا تكتب ولا يختص هذا الوصف بأمة ليس عندها كتاب ليس عندها دين سماوي بل الحكم عام في كل من كان قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل الكتاب وغيرهم ممن اتفق أهل العلم على أنهم أهل كتاب أو ترجح أنهم من أهل الكتاب.
قال المصنف: (أمور خالف فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما عليه أهل الجاهلية الكتابيين والأميين، مما لا غنى للمسلم عن معرفتها) . يعني: لا يستغنى المسلم الحق الذي أراد النجاة في هذه الحياة الدنيا من الوقوع فيما يخالف ما أمر الله عز وجل به من الشرك والبدعة والمعصية لا يستغنى بمعرفة هذه الصفات وهذه الأمور والمسائل التي كان عليها أهل الجاهلية، لماذا؟ لأنه قد يقع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من حيث لا يشعر، حينئذٍ وجب عليهم لما كان البعد عن أوصاف أهل الجاهلية قولًا وفعلًا وتركًا واجبًا حينئذٍ تعين أن يعرف ما هي أقوال وأفعال وتروك أهل الجاهلية، لماذا؟ لأن المباعدة عن هذه الأقوال والأفعال واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فدل على أنه يجب على المسلم أن يعرف أوصاف أولئك الأقوام الذين خالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في أصل الدين وفرعه لئلا يقع فيما وقعوا فيه، لأن مباينة هؤلاء واجبة ولا تتم هذه المباينة إلا بمعرفة ما هم عليه.
عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ... من لم يعرف الخير من الشر يقع فيه [1]
(1) جاء الشطر الثاني بلفظ: وَمنْ لَمْ يَعْرِفِ الشّرَّ منَ الناسِ يقعْ فيهِ.