ثانيًا: أن هذه الأمور التي سيذكرها والمسائل التي سيذكرها مما لا غنى للمسلم عن معرفتها، لأنه إذا لم يعرفها حينئذٍ قد يقع فيها، وإذا وقع فيها فهو متردد بين الكفر والبدعة والكبيرة وما دون ذلك، وبين رحمه الله تعالى أن أهم ما في هذه المسائل ما يتعلق بإيمان القلب وإن انضاف إلى ذلك عدم إيمان اللسان وعدم إيمان الجوارح تمت الخسارة، إذًا إيمان القلب هذا أصل من أصول الدين وعدمه حينئذٍ يعتبر كفرًا مخرجًا من الملة، فإن انضاف إلى ذلك عدم إيمان اللسان حينئذٍ انضاف إليه نوع آخر من أنواع الكفر، حينئذٍ ازداد على كفره كفرًا فإذا انضاف إلى ذلك كفره بأعماله وجوارحه ازداد على كفره بلسانه وقلبه كفرًا بجوارحه فتمت الخسارة لذلك، ثم استدل بالآية المذكورة.
المسألة الأولى التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى وهي مسألة مهمة تتعلق بأصل الدين، بل وهي زبدة رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، بل هي خلاصة ورسالة الأنبياء والمرسلين وهي تحذير من الشرك والدعوة إلى التوحيد.
(المسألة الأولى) التي خالف فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - ما عليه أهل الجاهلية، خالفهم في ماذا؟ من أوصافهم ومن أعمال أهل الجاهلية التي بينها الله عز وجل أتم بيان في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأمر أمرًا محتمًا يعتبر أصلًا من أصول الدين بمخالفة هذا الوصف والحال، (أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله وعبادته، يريدون شفاعتهم عند الله، لظنهم أن الله يحب ذلك وأن الصالحين يحبونه، كما قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} [يونس: 18] . وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ) .
قال المصنف:(وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتى بالإخلاص، وأخبر أنه دين الله الذي أرسل به جميع الرسل، وأنه لا يُقبل من الأعمال إلا الخالص، وأخبر إن من فعل ما استحسنوا فقد حَرم الله عليه الجنة ومأواه النار.
وهذه هي المسألة التي تَفرق الناس لأجلها بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الله الجهاد كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} [الأنفال: 39] ). كما سمعت هذه المسألة متعلقة بأصل الدين، وهو: توحيد الله تعالى، مضمون هذه المسألة بيان دين المشركين المبني على أربعة أمور كما ذكرها المصنف.
أولًا: يعبدون غير الله مع الله، ومنهم من لا يعبد الله أصلًا لكنه أدنى حالًا فإذا كفَّر وأباح دم من عبد الله وعبد غيره معه فمن لم يعبد الله أصلًا حينئذٍ يكون كفره وقتاله من باب أولى وأحرى، إذًا يعبدون غير الله مع الله.
ثانيًا: يريدون شفاعته، يعني: لم يدعوا أنها آلهة مستقلة، وإنما ادعوا أنها تشفع لهم عند الله فهي وسائط، يعني: يتوسطون لهم بجلب الخير أو دفع الضر.
[ثالثًا] [1] : ظنهم أن الله يحب ذلك.
(1) هكذا الصواب.