فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 397

(وعندها) ، يعني: لأجل تفرق الناس إلى طائفتين، لزم من ذلك وقوع العداوة، وقعت العداوة بين الطائفتين، لماذا؟ لأن من استجاب للأنبياء ودعوة الأنبياء لا يمكن أن يكون موافقًا ومصالحًا وحبيبًا وجليسًا لمن رفض وكذب الأنبياء والمرسلين، وهذا أمر مدرك بالشرع كما أنه مدرك بالنظر (فعندها وقعت العداوة) ، كما قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} . أي: على دينه من إخوانه المرسلين كما قال ابن جرير رحمه الله تعالى، {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ} [الممتحنة: 4] ، لا بد من البراءة لا بد من تحقيق معنى لا إله إلا الله من البراءة من المشركين ومن دين المشركين، حينئذٍ المخالفة [في أصل التوحيد] في أصل الشرك لا يكفي، بل لا بد أن نخالف المشركين في ما هم عليه من دينهم ثم لا بد من العداوة، ولا بد من إظهار هذه العداوة، ولا بد من بيانها وإيضاحها أتم بيان، {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء} هذا نص واضح بين يلزم من المسلم أن يكون معاديًا لأهل الشرك بالله عز وجل وإلا ففي إسلامه نظر، {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} ، وذكر الله تعالى عن خليله أنه قال لأبيه آزر: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي} [مريم: 48] . {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} ، إذًا لا بد من اعتزال الشرك، ولا بد من اعتزال أهل الشرك، إلى قوله: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مريم: 49] . وقال عز وجل: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22] . لا تجده أبدًا، لا يمكن أن يجتمع المسلم مع الكافر أيًّا كان هذا النوع إلا ما أذن به الشارع من المعاملة الظاهرة الدنيوية فحسب، فهذا هو تحقيق التوحيد وهو البراءة من الشرك وأهله، واعتزالهم، والكفر بهم، وعداوتهم، وبغضهم، فلا بد من الولاء، ولا بد من البراء، وهو شرط في صحة لا إله إلا الله، وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 26 - 28] . إذًا (وعندها) ، أي: عند تفرقة الناس لأجل التوحيد، لأجل معنى لا إله إلا الله افترق الناس إلى فرقتين: موحدون، ومشركون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت