مصدقون مؤمنون بالرسل الموحدون لله عز وجل، ومقابلهم وهم المكذبون للرسل المشركون بالله عز وجل، حينئذٍ لزم من ذلك وقوع العداوة بينهما، بل ما هو أعظم من العداوة مما يظهر به البراءة من المشركين، وهو جهاد أهل الشرك، ولذلك قال المصنف: (ولأجلها شُرِعَ الله الجهاد) . لأجلها، لأجل هذه التفرقة بين المؤمن والمسلم شرع الجهاد بنوعيه جهاد الطلب، وجهاد الدفاع.
(كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ} [الأنفال: 39] ) . ( {وَقَاتِلُوهُمْ} ) هذا أمر، أمر الله عز وجل بمقاتلة الكفار ( {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} ) الفتنة هي: الشرك. كما قال بن عباس رضي الله تعالى عنه، ( {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ} ) يعني: يكون التوحيد، ( {كُلُّهُ للهِ} ) عز وجل خالصًا له عز وجل، ليس فيه شرك لأحد البتة، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ويخلع ما دونه من الأنداد، وقال تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] . هذا أمر {فَاقْتُلُوا} ، {قَاتِلُوا} ، إذًا ليس المراد جهاد الدفع فحسب، وإنما المراد به الجهاد بنوعيه، {قَاتِلُوا} إنما هو طلب لأهل الشرك ومتابعتهم هذا مع القدرة، وكذلك يكون الجهاد جهاد دفعٍ خلافًا لبعض ما يردده المنافقون في هذا الزمان بأن الجهاد إنما يكون لجهاد الدفع فحسب وليس في الإسلام ما هو جهاد طلب، فهذا نوع نفاق لا يصدر إلا عن أهل النفاق، ولذلك قال عز وجل: ( {وَقَاتِلُوهُمْ} ) . قاتل إذًا أُطْلُبْ المشركين وقاتلهم، وقال عز وجل: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} . {الْمُشْرِكِينَ} هذا جمع للمشرك، فدل على أن الحكم هنا معلل بالإشراك، {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا} ، أي: من الشرك، {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} دل على ماذا؟ على أنهم إذا لم يتوبوا من الشرك فلا تخلوا سبيلهم بل واصلوا في قتالهم ومقاتلتهم، وهذا هو جهاد الطلب كما هو واضح بين، فأمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك، ويخلصوا أعمالهم لله تعالى، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن أبوا عن ذلك أو بعضه قُوتِلُوا إجماعًا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: «أمرت أن أقاتل الناس» . يعني: أمرني ربي أن أقاتل الناس، وهنا واضح أن المراد بالقتال قتال الطلب وليس قتال الدفع، «أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى» . وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويأتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» . إذًا (وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الله الجهاد) ، ولم يقصد المصنف رحمه الله تعالى أن كل كافر ومشرك يجاهد ويقاتل ابتداءً لا، وإنما الواجب ثلاثة أمور: