( {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا} ) قيل: نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى، وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - فتفرقوا، فلما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - أنزل الله عليه هذه الآية، قوله: ( {وَكَانُواْ شِيَعًا} ) أي: فرقًا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفًا له فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه فإن الله تعالى قد برأ رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما هم فيه، وفي الحديث: «نحن معاشر الأنبياء أولاد علاةٍ ديننا واحد» . فهذا هو الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء والرسل برءاء منها، كما قال تعالى: {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} . إذًا المراد بالاجتماع إنما هو الاجتماع على الحق، وليس المراد الاجتماع على الأهواء والضلالات والبدع كما يدعو إليهم أن يدعو في هذا الزمان من أن يجمع الأمة من رافضة وصوفية وجماعات حزبية ونحو ذلك، فهذا هو عين الضلال وهذا هو الذي كان عليه أهل الجاهلية من الافتراق وهذا شيء كذلك محال في نفسه، واستدل المصنف بهذه الآية بأن أهل الجاهلية كانوا متفرقين في دينهم ثم أردفه بما يدل على النهي على مشابهتهم في الفرقة والاختلاف، فقال المصنف رحمه الله تعالى: (ونهانا) . أي: الله عز وجل، نهي تحريم (عن مشابهتهم) في الاختلاف والتفرق بقوله تعالى: ( {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105] ) . فلا ناهية ( {وَلاَ تَكُونُواْ} ) ، وتكونوا هذا فعل مضارع دخلت عليه لا حينئذٍ جزم بحذف النون، ولا ناهية تفيد التحريم وتكون مجزومٌ بها، و ( {كَالَّذِينَ} ) الكاف حرف تشبيه، والمشبه بهم هم المتفرقون والمختلفون، ( {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ} ) ، يعني: لا تكونوا كالمتفرقين والمختلفين، لأن الذين اسم موصول، والاسم الموصول مع صلته في قوة المشتق، فكأنه قال: لا تكونوا كالمتفرقين والمختلفين. وإنما جاء بالموصول والصلة ولم يأت بالمشتق مباشرة ليبين علة النهي، يعني: لا تكونوا مثلهم لأنهم متفرقون ومختلفون، قال ابن جرير رحمه الله تعالى: يعني بذلك جل ثناؤه ولا تكونوا يا معشر الذين آمنوا كالذين تفرقوا من أهل الكتاب واختلفوا في دين الله وأمره ونهيه من بعد ما جاءهم البينات من حجج الله فيما اختلفوا فيه وعلموا الحق فيه فتعمدوا خلافه وخالفوا أمر الله. وهذا يدل قوله تعالى: ( {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ} ) . أنه لم يكن تفرقهم عن جهل، وإنما كان عن علم وهوى وعناد، إذًا هذا التفرق وهذا الاختلاف لم يكن عن جهل، وإنما كان عن علم، ولذلك أكد ذلك المعنى ابن جرير رحمه الله تعالى من بعد ما جاءهم البينات من حجج الله فيما اختلفوا فيه وعلموا الحق فيه فتعمدوا خلافه وخالفوا أمر الله.