فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 397

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (ونهانا عن التفرق في الدنيا) . يعني: كما أن النهي في الآية السابقة متعلق بالتفرق النهي بالتفرق في الدين كذلك جاء النهي الصريح الواضح البين في النهي عن التفرق في الدنيا، (بقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 103] ) . ( {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} ) لا ناهية، وتفرقوا هذا فعل مضارع وهو مجزوم بلا، والأصل في النهي أنه للتحريم، ( {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ} ) ، أي: تمسكوا بحبل الله، قيل: أي بعهد الله، وقيل: القرآن، وقوله: ( {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} ) . أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا» . فذكر الأمر بالاعتصام، وهو التمسك بحبل الله الذي هو القرآن، أو بعهد الله، ونهاهم عن التفرق، وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك أيضًا أحاديث متعددة، يعني: إذا اجتمعت هذه الأمة إنما تجتمع على حق ولا تجتمع على باطل، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، فقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وقد جاءت النصوص في ذلك، ودل على أن النهي المراد به التفرق في الدنيا في هذه الآية ( {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} ) سياق الآية حيث أراد الله عز وجل الامتنان على الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية وعداوة شديدة، فلما جاء الله تعالى بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم صاروا إخوانًا متحابين بجلال الله متواصلين في ذات الله، إذًا سبب النزول وسياق الآية يدل على أن المراد بقوله: ( {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت