(المسألة الثالثة: أن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له فضيلة، والسمع والطاعة له ذل ومهانة) . يعني: كان مِن صفات أهل الجاهلية ومن أحوالهم أنهم كانوا فوضى لا يقرون بولاية لأحد ولا يرضون بذلك، وهذا داخل فيما سبق من حيث قوله رحمه الله تعالى: (وكذلك في دنياهم) . فهم متفرقون في دنياهم لعدم إقرارهم بولي يحكمهم، لأنهم يرون أن التحاكم أو جعل السمع والطاعة لشخص واحد يرون أنه من الذل والمهانة، وأن الانفراد بالرأي وعدم دخول أولئك الأقوام تحت شخص يحكمهم يرون أنه فضيلة بل يرون أنه من الدين، وهذا أمر باطل جاء بإفساده في الشرع كما سيأتي، (أن مخالفة ولي الأمر) ، وَلِيّ الشيء، يقال: وَلِيَ الشَّيء وعليه ولاية ملك أمره وقام به، ووَلِيَ البلد تسلط عليه، والقوم ملك أمرهم وقام به فهو والٍ ويجمع على ولاة، وهم مولًا عليهم، والولي من حيث هو كل من ولي أمرًا أو قام به، والمراد هنا مخالفة ولي الأمر الحاكم، أو الملك، أو أمير المؤمنين، أو نحو ذلك، يرونه ماذا؟ يرون مخالفتهم وعدم الانقياد لهم، يقال: انقاد خضع وذل. (فضيلة) بمعنى أنه مزية ودرجة رفيعة في حسن الخلق، بل يرون أنه من الدين، يعني: مخالفة ولي الأمر إن كان ثَمَّ ولي أمر يرون أنه مما يدان به لله عز وجل وأنه من المزايا والفضائل التي يتميز بها الناس بحيث يدل على كرامتهم وأن كل شخص له رأيه الذي يعتز به، (والسمع والطاعة له ذل ومهانة) السمع في الأصل قوة في الأذن به يدرك الأصوات، وفعله يقال له السمع أيضًا، ويعبر بالسمع عن الفهم وتارة عن الطاعة، السمع المراد به في مثل هذه المواضع الطاعة، فيعبر بالسمع عن الفهم، وتارة عن الطاعة، تقول: أسمع ما أقول لك، ولم تسمع ما قلت. وتعنى لم تفهم، ومنه قوله: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} . أي: فهمنا قولك ولم نأتمر به، يعني: {سَمِعْنَا} فهمنا أمرك، {وَعَصَيْنَا} فلم نمتثل، وكذلك قوله: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} . أي: فهمنا وامتثلنا، والطوع الانقياد، ويضاده الكره كما جاء في قوله تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83] . فهما متقابلان، والطاعة مثله لكن أكثر ما تقال في الائتمار لما أمر والارتسام فيما رسم، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} [النساء: 81] . وقال تعالى: {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ} . [محمد: 21] .