أي: أطيعوا، وقد طاع له يطوع وأطاعه يطيع، يعني: يتعدى بنفسه أطاعه، فيقال طاع له ويتعدَّى باللام، وهنا قاله كذلك المصنف (والطاعة له) يرونها ماذا؟ (ذل) ، والذل ما كان عن قهر يقال: ذَلَّ يَذِلُّ ذُلًا، (ومهانة) يقال: هَانَ فُلانٌ هُونًا وَهَوَانًا وَمَهَانَةً ذَلَّ، فهو بمعنى ذَلَّ، إذًا يرون أن السمع والطاعة لولي الأمر ذُلٌّ ومهانة، لماذا؟ لما كانوا عليه من الأنفة والكبر، (فخالفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمر بالصبر على جَوْرِ الولاة) (فخالفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) ، يعني: أتى بما يخالف ما هم عليه، فهم لا يسمعون لولي أمرٍ، يعني: لا تكون كلمتهم مجموعةً تحت سلطان واحد، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بمشروعية الولاية الكبرى، وجعل شأن المسلمين وأمر المسلمين يرجع إلى شخص واحد بشرطه المعلوم من محله، (فخالفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر بالصبر على جَوْرِ الولاة) ، يعني: أمرَ أمر إيجاب، (بالصبر على جَوْرَ) والجور المراد به الظلم، يقال: جَارَ عن القصد والطريق جَوْرًا مال وعدل، وجار في حكمه ظلمه، (وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة، وغلظ في ذلك وأبدى فيه وأعاد) (وأمر بالسمع) ، يعني: أمر إيجابٍ لا تجوز مخالفته، (بالسمع) أي: الاستماع المثمر للطاعة والانقيادِ، ليس المراد السمع فحسب أن نستمع ونسكت، وإنما المراد به السمع الاستماع المثمر للطاعة والانقياد له، يعني: لولي الأمر، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] . وأولوا الأمر المراد بهم العلماء هذا هو الأصل، وأدرج فيه بعض السلف وحكي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن المراد بأولي الأمر هنا هم الأمراء، ويحمل على المعنيين، فالمراد بأولي الأمر العلماء والأمراء، وكثير من المفسرين يحملونه على العلماء، لأنه كان فيما سبق لا يلي أمور المسلمين إلا العالم الذي عرف شؤون الأمرين، يعني: عرف كيف يدير الناس من جهة الدين، ومن جهة السياسة، وقيد النبي - صلى الله عليه وسلم - الطاعة المأمور بها بأنها في المعروف، يعني: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} {وَأُولِي الْأَمْرِ} انظر هنا لم يعد الفعل كما أعاده مع طاعة الرسول، {أَطِيعُوا اللَّهَ} ، ثم قال: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} . فكل منهما له طاعة مستقلة، ولم نقل: وأطيعوا أولي الأمر، لأن طاعة ولاة الأمور ليست مستقلة، بل هي تابعة لطاعة الله عز وجل، يعني: تكون الطاعة في المعروف كما جاء النص بذلك، فقال - صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» . «لمخلوق» . هذا نكرة في سياق النفي، لا طاعة لمخلوق أيًّا كان سواء كان والدًا، أو والدةً، أو ولي أمر كبيرًا كان أو صغيرًا «لا طاعة لمخلوق» . البتة «في معصية الخالق» . وقال - صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة في المعروف» .