فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 397

وهذا يُقَيِّد أن المراد بطاعة ولاة الأمور إنما هي في المعروف، بمعنى أنه مما جاء به الشرع أو مما أباحه فثَمَّ أمران يطاع فيهما الولاة، لأن ما يأمرون به إما أن يكون مما أمر به الشارع كـ: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ونحو ذلك، والكف عن المحارم، حينئذٍ الطاعة هنا تكون طاعة لله تعالى وطاعة له، فيطاعون من جهتين:

أولًا: أمر الله تعالى.

وثانيًا: أمر الله تعالى بطاعة ولاة الأمور.

فيؤجر العبد من جهتين: من جهة امتثال أمر الله تعالى، ومن جهة امتثال ما أمر الله تعالى بامتثال أمره وهم: الولاة.

الأمر الثاني: الأمور المباحة التي يرجع فيها إلى مصالح الناس، وهذه على ظاهر الآية النص الذي معنا أنه مما تجب الطاعة فيه لهم دون استثناء أو دون تفصيل.

النوع الثالث: إذا أمروا بمعصية، وهذا «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» . قال: (وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة) . (والنصيحة) المراد بها سرًّا ليست جهرًا وعلانيةً.

(والنصيحة) قال الخطابيّ: النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له. يعني: إرادة الخير للمنصوح له لَه أفراد كثيرة وآحاد لا حصر لها، حينئذٍ إرادة الخير للمنصوح له هو الذي يسمى بالنصيحة، قال رحمه الله: وأصل النصح في اللغة الخلوص، يقال: نصحت العسل إذا خلصته من الشمع.

وقال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادةً وفعلًا.

إذًا النصيحة المراد بها إرادة الخير لولاة الأمور، كيف تكون هذه النصيحة؟

قال ابن رجب رحمه الله تعالى في (( جامع العلوم والحكم ) ): والنصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك، فكل ما يعين ولاة الأمور على إقامة الشرع فهو داخل في مفهوم النصيحة، ثم إن كان ثَمَّ أمر ينكر عليهم مما وقعوا فيه فمن النصيحة أن يكون ذلك سرًّا بينك وبينهم.

هذا الذي عليه عامة السلف في أن النصح لولاة الأمور إنما يكون على جهة السِّرّ ولا يكون على جهة الإعلان.

ثم أورد المصنف الحديث الآتي قوله: (وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة، وغلظ في ذلك) يعني: شدد، وبين أن مخالفة ولي الأمر بنزع اليد من بيعته مثلًا كما سيأتي في النص إن مات على ذلك فحينئذٍ تكون ميتته ميتةً جاهلية، وهذا شر تغليظ في هذا الأمر، (وأبدى فيه وأعاد) أَبْدَى بالهمزة الظاهر يقال: بَدَأْتُ بِكَذَا، وَأَبْدَأْتُ وَابْتَدَأْتُ قَدَّمْتُ، ويقال: فعله عَوْدًا وَبَدَأً وَعَوْدًا على بَدْءٍ فعله مرة بعد أخرى ورجع عوده على بَدْئِهِ بالطريق الذي جاء منه، يعني: أبدى وأعاد، يعني: كرر مرة بعد مرة ولم يترك الأمر بأن يذكره مرة واحدة وإنما غلظ وشدد والتكرار إنما يكون للأهمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت