التأويل بمعنى التفسير والتأويل بمعنى إدراك الحقائق، منتسبون إلى السنة من الحنابلة، الحنابلة يكثر فيهم المفوضة كثير فيهم، لماذا؟ لأنها ثَمَّ ألفاظٌ للإمام أحمد رحمه الله تعالى لا كيف ولا معنى، هذه يجعلونها أصلًا، ولذلك يوردها ابن قدامة هنا في ذم التأويل وفي تحريم النظر أول ما يذكر من ألفاظ الإمام أحمد لا كيف ولا معنى، وهذا له توجيه سيذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال رحمه الله: والمنتسبون إلى السنة من الحنابلة وغيرهم الذين جعلوا لفظ التأويل يعم القسمين يتمسكون بما يجدونه في كلام الأئمة في المتشابه مثل قول أحمد في رواية حنبل: ولا كيف ولا معنى. هذا أساسهم، لأنهم يقلدون الإمام أحمد في الفروع وفي الأصول، فوجدوا مثل هذه الألفاظ التي هي فيها نوع إشكال، لكن بمعرفة طريقة الإمام أحمد حينئذٍ يرد المتشابه إلى المحكم، وأما أن يوقف معنى المتشابه ويُرْفَض النظر في المحكم هذا ليس بمسلك أهل السنة والجماعة، في رواية حنبل لا كيف ولا معنى، ظنوا أن مراده أنَّا لا نعرف معناها، وهذا الذي دندن حوله ابن قدامة رحمه الله تعالى، وكلام أحمد صريح بخلاف هذا في غير موضعٍ، وقد بين أنه إنما ينكر تأويلات الجهمية ونحوهم الذين يتأولون القرآن على غير تأويله، والمكيفون يثبتون كيفيته يقولون: إنهم علموا كيفية ما أخبر به من صفات الرب، فنفى أحمد قول هؤلاء وهؤلاء، لا كيف، يعني: لا علم بالكيفية، وهذا حق واضحٌ بين، ولا معنى، يعني: لا معنى باطن، وهو ما حرفه المؤولة أو المحرفة من النصوص التي هي لو بقيت على ظواهرها لفهم الناظر أو القارئ ما يفهم من لسان العرب، فنفى أحمد قول هؤلاء وقول هؤلاء، قول المكيفة الذين يدعون أنهم علموا الكيفية، وقول المحرفة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون معناه كذا وكذا، وهذا كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ووجوده في الجزء السابع عشر من (( الفتاوى ) )، إذًا قول المصنف رحمه الله تعالى: (وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا) . وفي بعض المخطوطات كما ذكرنا: نثبته لفظًا. دون قوله: (وما أشكل من ذلك، وجب إثباته لفظًا، وترك التعرض لمعناه ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله) . يعني: راويه، (إتباعًا لطريق وسبيل الراسخين في العلم) (الراسخين) جمع راسخ اسم فاعل رَسَخَ رُسُوخًا ثبت في موضعه متمكنًا، والعلم في قلبه تمكن فيه، ولن تعرض له فيه شبهة، هذا معنى الراسخ، أليس كل من كان متعلمًا يكون راسخًا، إلا، إذا ثبت في موضعه ولم يقع في قلبه شبهة تزيغه حينئذٍ يكون راسخًا في العلم، (الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله سبحانه: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] ) ، وهذه الآية التي فيها إثبات أن من القرآن ما هو متشابه وما هو محكم، وهذا التقسيم لا يعارض ما جاء في بعض النصوص أن القرآن كله محكم كما في قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1] . وكذلك ما جاء في كونه كله متشابهًا كما في قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا} [الزمر: 23] .