إلى آخره، لكن {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} هذا الاحتمال يرد؟ نقول: لو ورد في ذهن بعضهم، نقول: ليس هو مراد الرب جل وعلا، وإنما هذا حصل لك من جهة النظر إلى اللفظ فقط، يعني: مجرد عن التركيب، أو النظر في التركيب مجردًا عن التراكيب الأخرى، حينئذٍ ترد الاحتمالات، وأما مراد الرب جل وعلا، فهذا إنما يكون برد المتشابه إلى المحكم، وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه، ثم قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه. يعني: ما المراد بالمحكم وما المراد بالمتشابه، فروي عن السلف عباراتٌ كثيرة، وأحسن ما قيل فيه هو الذي قدمنا، يعني: أن المحكم هو الواضح الدلالة الذي لا التباس فيه على أحد، وأما الاشتباه فهذا يكون في عدم الوضوح لبعض الأشخاص دون بعض، هو الذي قدمنا وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار حيث قال: ... {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} وهنّ حجة الرب، وعصمة العباد، ودفعٌ لخصوم الباطل، ليس لهن تصريفٌ ولا تحريف عما وضعن عليه. قال: والمتشابهات في الصدق ليس لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله بهن أو فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام، أن لا يصرفن إلى الباطل، وأن لا يحرفن عن الحق، ولهذا قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} . أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل، يعني: ثَمَّ نيةٌ سيئة وفاسدة ليس فيه طلبٌ للحق، {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} ، يعني: يتركون المحكم ويجرون وراء المتشابهات، وهذا غلطٌ حتى في باب الفروع، يعني: بعض المسائل قد تأتي عند طالب العلم إذا نظر في الفقه ثَمَّ ما يحتمل وثَمَّ ما هو صريح، حينئذٍ يحمل هذا المحتمل على الصريح، مثاله كما لو جاءت بعض النصوص تدل في ظاهرها على أن صلاة الجماعة ليست بواجبة، ثَمَّ نصوص واضحة بينة لا تحتمل أن صلاة الجماعة واجبة، وأنها فرض عين على كل مكلف مع القدرة، فإذا جاء نص صلاة الجماعة تفضل عن صلاة الفرد بكذا حينئذٍ نفسره بذلك الواضح البين، فنحمل هذا المتشابه على الْمُحْكَم، حينئذٍ تكون هذه القاعدة عامة ليس في باب المعتقد فحسب، بل حتى في الفروع، {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} ، أي: إن ما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، وهذا شأن أهل البدع كل مبتدع ولا بد أنه يقف مع نص، لا يكاد أن يوجد مبتدع له صلةٌ بالعلم الشرعي ويحدث بدعةً أو يعتقد بدعة إلا وله متكأ من آيةٍ أو حديث، لا يكاد يوجد إلا وهو متكأ على آية أو حديث، لا تجد هذه الآية نصًا صريحًا فيما ادعاه بل هي محتملة، نعم قد تحتمل ما يذكرونه من البدع لكنه لم يرد المتشابه إلى المحكم، يعني: وقف مع هذه المحتملات، لاحتمال لفظه بما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، لأنه دافعٌ لهم حجةٌ عليهم، ولهذا قال الله تعالى: {ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ} .