وعن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به، ثم ردوا تأويل المتشابهات على ما عرفوا من تأويل المحكمات التي لا تأويل لأحدٍ فيها إلا تأويلٌ واحد، فالتصق بقولهم الكتاب، وصدق بعضه بعضًا، فنفذت الحجة وظهر به العذر، وزاح به الباطل ودفع به الكفر، وبالحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا لابن عباس: «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل» . حينئذٍ حملوا لفظ التأويل على التفسير، لا {يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} مراد التأويل هنا التفسير، وليس هو إدراك الحقائق، إدراك الحقائق بالإجماع لا يعلم متى الساعة متى إلا الله عز وجل، ما يعلم أو لا يعلم كيفية قيام الساعة، وكيفية البعث، وكيفية النشور، وكيفية الصراط، والمشي على الصراط، ونحو ذلك والجنة وما فيها، والنار وما فيها، لا يعلمه إلا الله عز وجل، وأما الراسخون في العلم فعلمهم بذلك أما أن يكون عن طريق إثبات المعاني التي دلت عليها الألفاظ، إذًا هذان قولان، ومن العلماء من فَصَّل في هذا المقام فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه ومنه قوله تعالى: {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ} [يوسف: 100] . يعني: حقيقة ما وقع، الرؤيا وقعت، وقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: 53] أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} يجب الوقف على الجلالة إذا أريد بالتأويل إدراك حقائق الأمور، وهذا واضحٌ بين، لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمها إلا الله تعالى، ويكون قوله: ... {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} . مبتدأ جملة ابتدائية الواو للابتداء استئناف، و {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} خبره، وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء، كقوله: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف: 36] . يعني: بمعناه وتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى فالوقف على {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} الإيصال، أما أن يجمع بينهما فلا، فإما هذا وإما ذاك، إما أن نقول: الوقف على لفظ الجلالة {إِلاَّ اللهُ} فنحمل معنى التأويل على إدراك الحقائق، وإما أن نصل {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} فنحمل معنى التأويل على ماذا؟ على التفسير، وأما أن يكون مشترك فالأمر ليس كذلك، فإن أريد به هذا المعنى فالوقف على {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} ، لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كُنْه ما هي عليه، وعلى هذا فيكون قوله: {يَقُولُونَ آمَنَّا ... بِهِ} . حالًا منه، وقوله إخبارًا عنهم أنهم يقولون: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} . أي: المتشابه، المراد به المتشابه، ولذلك ابن قدامة هنا قال: فيه إشعار بنوع تفويض.