القول الثاني: أنها من آيات الصفات، وتدل على صفة الوجه لله تعالى، كالآية السابقة {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} ، إذًا هذه من آيات الصفات، واختاره الدارمي في رده على بشر المريسي، وابن خزيمة في كتابه (( التوحيد ) )، وابن القيم رحمه الله تعالى كما في (( مختصر الصواعق المرسلة ) )، وكذلك الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في (( الواسطية ) )، [اختاروا على $] اختاروا أن هذه الآية من آيات الصفات {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} يعني: الصفة الذاتية خبرية التي تُثبت لله عز وجل، وهذا القول أرجح، القول الثاني أرجح من القول الأول، لماذا؟ لأنه يدل عليه الأصل، لأن ما أضافه الله عز وجل لنفسه ولم يكن قائمًا بنفسه مخلوقًا فالأصل أنه صفة لله عز وجل هذا هو الأصل، فحينئذٍ طردًا للأصل نقول: هذه الآية من آيات الصفات، ولأنها صفة أضيفت إلى الله تعالى، وفيه احتياط وسد لباب التحريف، فالمراد بالوجه في الآية هنا وجه الله تعالى الحقيقي، أي: إلى أي جهة تتجهون {فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} سبحانه لأن الله تعالى محيط بكل شيء، ولأنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المصلي إذا قام يصلي فإن الله تعالى قِبَل وجهه، كهذا جاء النص فيه، كما في الحديث المتفق عليه عن ابن عمر:"إذا قام المصلي يصلي فإن الله تعالى قِبَلَ وجهه". والله تعالى محيط بكل شيء، حينئذٍ لا يمتنع أن يكون المصلي متجهًا للقبلة التي أمر الله عز وجل وأن يكون الله عز وجل قبالة وجهه، وأن يكون وجه الله تعالى قُبَالَة وجهه. نقول: هذا لا مانع فالنصوص حينئذٍ تكون متحدة وبعضها يخدم بعضًا، ولهذا نهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبصق المصلي أمام وجهه لأن الله تعالى قِبَل وجهه، هذا تأييدًا للآية التي جاءت، والخلاف هنا يسير كما ذكرنا لأنهم يثبتون صفة الوجه لله تعالى، لكن هذه الآية خصوصًا فسروها بالقبلة أو الجهة، وأيضًا المعنيان غير متنافيين، فإذا توجهت إلى الله في صلاتك فهي جهة التي يقبل الله صلاتك إليها، فثَمَّ أيضًا وجه الله حقًّا، إذًا لا تنافي أن يكون المراد بقوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} . أي: الجهة التي يقبل الله عز وجل صلاتك إليها، وثَمَّ وجه الله حقيقة، لا مانع من هذا وذاك، ومثل الآية قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ} . أي: فانٍ، {إِلَّا وَجْهَهُ} ، والمعنى كل شيء فَانٍ وزائل إلا وجه الله تعالى فإنه باقي، وقيل: إلا ذاته المتصفة بالوجه، ولا بأس به، أما من أنكر صفة الوجه فسره بالذات فباطل. يعني {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} هذا أيضًا كذلك مما وقع فيه الخلاف لكنه يسير، والمخالف هنا من الخلف أكثر، فالمراد {إِلَّا وَجْهَهُ} إلا ذاته، لمن أثبت الوجه الخلاف معه خلاف لفظي، والذي نفى الوجه الخلاف معه خلاف جوهريّ، ونقول كما قلنا سابقًا: {إِلَّا وَجْهَهُ} أضافه فالأولى أن يكون من آيات الصفات، إذًا هذا ما يتعلق بالصفة الأولى التي أشار إليها بقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} .