فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنها أجابت الجواب الصحيح المطابق للشرع قال: (قال: «أعتقها» ) يعني حررها ( «فإنها مؤمنة» ) إذا جاءت الفاء وإن بعد الأمر أو النهي تعتبر عند الأصوليين بمسالك العلة، بمعنى أنه تعليل للحكم السابق، كأنه قال: اعتقها لأنها مؤمنة، فإنها الفاء هنا للتعليل وإن للتوكيد وإذا جاءت الفاء مقرونة بأن أو إن لوحدها بعد الأمر أو النهي حينئذٍ نقول: هذا يفيد التعليل. يعني: الحكم السابق معلل بالعلة المذكورة بعده، فدل ذلك على أن اعتقاد أن الله تعالى في السماء من تمام الإيمان لأنه (قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» ) ، فإنها أي الجارية مؤمنة، دل على أن اعتقاد كون الله في السماء مما يتم به الإيمان، اعتراف منها بالله تعالى مألوهًا وأنه العلي بذاته، العلي الأعلى بذاته لأن أين موضوعة لذلك، والأصل في الجواب أن يكون مطابقًا للسؤال حينئذٍ إقرارها بأنها في السماء إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - ونطقه إقراره على الجواب ونطقه بالسؤال دل على أن الله تعالى متصف بصفة العلو الذاتي، وقد أقرها على وشهد لها بالإيمان. طبعًا قوله: «فإنها مؤمنة» لا يقال بأنه الإيمان يُكتفا به باعتقاد أن الله تعالى في العلو، لا، إنما المراد أن ما ذُكر من الإيمان، وأن الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح والأركان، كل هذه ثلاثة أركان: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. الاعتقاد على مرتبتين منه ما يزول الإيمان بزواله، ومنه ما لا يزول الإيمان بزواله، وكذلك القول على مرتبتين منه ما يزول الإيمان بزواله، ومنه ما لا يزول الإيمان بزواله، عند أهل السنة والجماعة العمل بالجوارح كذلك منه ما يزول الإيمان بزواله ومنه ما لا يزول الإيمان بزواله. هذه الأركان الثلاثة كلها متلازمة بمعنى أن كل واحد منها جزءٌ من حقيقة الإيمان، [فلا يسمى الإيمان] فلا يسمى الشيء إيمانًا إلا باجتماع هذه الثلاثة أركان، فلو وجد الاعتقاد فقط لا يسمى إيمانًا، ولو وجد الاعتقاد مع القول دون العمل لا يسمى إيمانًا، وإنما يشترط في صحة الإيمان أن يوجد معه العمل بالجوارح.