وسبق أن الأحكام لها معاني مختلفة وهنا ورد بمعنى خاص، (سور محكمات، وآيات بينات) آيات جمع آية، وأصلها آية كتمرة قلبت عينها ألفًا على غير قياس، وحدها طائفة من كلمات القرآن متميزة بفصل، والفصل هو آخر الآية، إذًا عندنا سور وعندنا آية، وهنا وصف به كلام فدل على أن هذا الكلام الموصوف بالسورة والآية لا بد أن يكون ماذا؟ بحرف وصوت، ولا يكون شيئًا معنويًّا، لأن المعنى لا يتجزأ فلو كان القرآن أمرًا نفسيًّا والكلام أمرًا نفسيًّا لما وصف بكونه سورةً وبكونه آية، ولذلك أراد المصنف هنا الرد على الأشاعرة، (وآيات بينات) والآية كما ذكرنا في الاصطلاح طائفة من كلمات وقرآن متميزة بفصل، والفصل المراد به آخر الآية، {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم: 2] ، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} ومعناه لغةً: العلامة، وهو المراد هنا، أي: علامات بينات، أي: ظاهرات على توحيد الله وكمال صفاته، (وحروف وكلمات) وقد ذكر المصنف ثمانية أدلة لذلك بأنه حرف وصوت كل ما ذكره المصنف فيما يأتي دليل على أن القرآن بحرف وصوت، ليس أمرًا معنويًّا نفسيًّا وإنما هو شيء مسموع يلفظ به (وحروف وكلمات من قرأه فأعربه) ، (من قرأه) إذًا يُقرأ (فأعربه) ، يعني فأقامه على وجه صحيح من حيث المخارج والحروف ومن حيث الحركات العربية، (فله بكل حرف عشر حسنات) وسيذكر المصنف الدليل فيما سيأتي، (له أول وآخر) إلى آخر كلامه هذا أراد به الرد على القائلين بالكلام النفسي، فإذًا الْمُشَاهِد للقرآن فاتحة هي أم القرآن فاتحة الكتاب، (وآخر) سورة فيه وهي سورة الناس، وخاتمة وهي سورة الناس فثبت أن له أولًا وآخرًا، يعني: مفتتح بسورة ومختتم بسورة كما أن كل سورة منفصلة عن الأخرى، وكل سورة لها مبتدأ ولها منتهى، وكل سورة متضمنة لآيات، وكل آية مختتمة بفصل، دل ذلك على أنه شيء محسوس، شيء ليس بأمر معنوي، فثبت أن له أولًا وآخرًا، وهذا في القرآن، وأما كلام الله تعالى من حيث هو فلا يتناهى ليس من كلام الله عز وجل نهاية كما قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109] . فكلام الله من حيث هو لا نهاية له، وأما القرآن فله نهاية له أول وله آخر، ولذلك ما لم يكن من القرآن المسموع ننفي عنه كونه قرآنًا ولا نثبت إلا ما تواتر النقل إلا به (وأجزاء وأبعاض) ، أي: والقرآن له أجزاء، وله أبعاض، والجزء هو القطعة من الشيء، وما يتركب الشيء منه ومن غيره، والبعض بمعنى الجزء بمعنى واحد، العطف هنا عطف تفسير يقال: بَعَّض الشيء جزأه.