ومعلوم أن القرآن ثلاثون جزءًا هذا مشهور، تقول: الجزء الأول، والجزء الثاني، وكل جزء له أول وله آخر، وكل جزء مركب أو مؤلف من حزبين، وكل حزب من أربعة أثمان، إذًا له تنويع، وهذا التنويع يدل على أنه ألفاظ وأنه كلمات وحروف ليس بشيء معنوي، ويدل ذلك على أنه عين المشاهد والمحسوس، يعني: الدليل على أنه أجزاء هذا بالحس لا نحتاج إلى نص، وإن كان هذا أمر أشبه ما يكون بمحدث لكنه متفق عليه، يعني: تَجْزِئة القرآن إلى أثمان وأحزاب هذا شيء اصطلاحي نعم (له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالأذان، مكتوب في المصاحف) فحيثما تصرف القرآن فهو قرآن وهو منزل غير مخلوق وإن كانت الألسن والصدور والأذان والأيدي وما يخط به من المداد مخلوقة، فهذه الأشياء لا تخرج القرآن عن كونه كلام الله تعالى عن كونه ليس بمخلوق، (متلو بالألسنة) (متلو) ، يعني: مقروء، يقال: تلا كتاب تلاوة قرأه، واللسان هنا الألسنة جمع لسان وهو الجارحة وقوته قال تعالى: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} ... [الكهف: 27] . {وَاتْلُ} يعني اقرأ، حينئذٍ يكون الوحي الذي قرأه النبي - صلى الله عليه وسلم - قرآنًا، وتلاوته وإن كانت مخلوقة لكنها لا تخرجه عن أصله بكون القرآن ليس مخلوقًا، وقال تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} [الإسراء: 45] . {قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ} والقراءة هذه وصف للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وما كان وصفًا للمخلوق فهو مخلوق، وأما المقروء فهو غير مخلوق وهو القرآن، وقال تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة: 16] . وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا حسد إلا في اثنتين رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار» .. الحديث، «يتلوه» . يعني: يقرأه، إذًا القرآن متلو، (محفوظ في الصدور) أي في القلب، كما قال تعالى: ... {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ} [الشعراء: 193، 194] . ما قال: مخلوق، وما جعل في القلب من القرآن ليس بمخلوق، وقال تعالى: {بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49] . يعني: في قلوبهم، وقال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6] . وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخراب» . «في جوفه» . يعني: في صدره، فدل على أن القرآن يكون محلًا له الجوف والصدر، وكونه في شيء المخلوق وهو الصدر والجوف لا يخرج عن كونه ليس بمخلوق، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (مسموع بالأذان) أذان جمع أذن وهي الجارحة، قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} . {يَسْمَعَ} ، إذًا المسموع هو القرآن وليس بمخلوق، وقال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] .