(وقوله تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] ) . قال ابن كثير: نبه تعالى على شرف هذا القرآن العظيم، شريف فأخبر أنه لو اجتمعت الإنس والجن كلهم على أن يأتوا بمثل ما أنزله على رسوله لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه ولو تعاونوا، ( {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ) أي معينًا، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا، فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له ولا مثال ولا عدل له؟ انتهى كلامه، إذًا [لا يستطيعون نعم] [1] ( {لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} ) لماذا؟ لكون القرآن صفة لله عز وجل، وصفة الله تعالى لا يمكن أن يشبهها صفات المخلوقين، والإنس والجن مهما تكلموا فهم مخلوقون فكلامهم مخلوق ولا يمكن أن يكون الكلام كلام المخلوق مماثلًا أو قريبًا من كلام الخالق جل وعلا، لأن ذلك يعتبر صفة له جل وعلا وما كان صفة له فهي ليست بمخلوقة، إذًا لا يمكن أن يأتوا بمثل القرآن لأنهم مهما تكلموا فلا يخرج عن كون كلامهم مخلوقًا وهم أرادوا أن يماثلوا كلام الله عز وجل وفرق بين الكلامين الكلام المنسوب إلى المخلوقين والكلام المنسوب إلى الخالق جل وعلا، فالكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، كما أنه له ذاتًا لا تشبه ذوات المخلوقين فكذلك كلامه لا يشبه كلام المخلوقين البتة، لذلك قال تعالى هنا في هذه الآية متحديًا للجن والإنس كلهم أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن ( {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ) ، يعني معينًا، (وهذا هو الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: {لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ} [سبأ: 31] ) ، (الكتاب العربي) ، يعني الموصوف بكونه عربيًّا، يعني: بلسان عربي مبين، بل هو أعلى درجات الفصاحة وهو كلام الله عز وجل، (الذي قال فيه الذين كفروا) أو بعض الذين كفروا كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [سبأ: 31] . هذا إخبار من الله تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن وبما أخبر به من أمر المعاد، كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى.
(1) سبق.