أما شرح الحديث الذي أورده المصنف فقوله - صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون» . «إنكم» الخطاب لمن؟ للمؤمنين، الخطاب للمؤمنين، وإن كان الأصل في الخطابات الموجه من الشارع إنما هي العموم، لكن لما كانت هذه الرؤية جزاءً وثوابًا على عملٍ صالح، يعني: اختص به المؤمنون حينئذٍ اختص الخطاب بالمؤمنين، وإلا الأصل المرجح عند الأصوليين أن الخطاب في الشرع يعم المؤمنين الموحدين والكفار، ولذلك الكفار مخاطبون بفروع الشريعة كما أنهم مخاطبون بأصولها {أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} [البقرة: 43] هذا عام يشمل الموحد المسلم والكافر، {آتُواْ الزَّكَاةَ} كذلك عام يشمل الموحد المسلم ويشمل الكافر، وأما في مثل هذا النص فيخص بدلالة الآية السابقة {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} ، أي: وجوه المؤمنين، {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} هذا الخطاب في شأن الأبرار كذلك هنا «إنكم» الخطاب للمؤمنين «سترون» السين للتحقيق وفيه تأكيد الوعد وتحقيق الأمر، لأن الحرف الزائد الدال على معنى يفيد التأكيد، والتأكيد هو دلالته على تحقيق الأمر ووقوعه، وتَخَلُّص المضارع من الحال إلى الاستقبال «سترون» ، إذًا ليس في الدنيا، ليس الحال لأنه كما سبق «إنكم لن ترون ربكم حتى تموتوا» . إذًا الآن لن تره، ولذلك النسخة الموجودة هنا «إنكم ترون ربكم» هذا خطأ، وإنما هي بالسين، إذًا تخلص المضارع من الحال إلى الاستقبال فهي سين الاستقبال «سترون» ، أي: رؤيةً بصرية، والمخاطب بذلك كما سبق المؤمنون فالكفار محجوبون عن رؤيته كما قال تعالى في الآية السابقة: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} . قوله: «كما» . الكاف هذه للتشبيه، «كما» الكاف للتشبيه، و «ما» هذه مصدرية، وما المصدرية تأول مع ما بعدها بمصدرٍ، كأنه قال: كرؤيتكم. حينئذٍ لما كانت الكاف للتشبيه ودخلت على المصدر المؤول من ما وما بعدها حينئذٍ صار التشبيه هنا للرؤية بالرؤية، وليس للمرئي بالمرئي «كما ترون هذا القمر» . الله عز وجل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] . فليس التشبيه هنا للمرئي بالمرئي، وإنما للرؤية بالرؤية، وهذا شأنه واضح، «كما ترون القمر» . أو «هذا القمر ليلة البدر» . وهذه رؤيةٌ بصرية، لأن رؤيتنا للقمر رؤيةٌ بصرية ليست معنوية وليست بالقلب بالتفكر والتأمل، وإنما ندركها بماذا؟ بأبصارنا بالعين، إذًا بالمعاينة وهنا شبه الرؤية بالرؤية، فتكون حينئذٍ رؤيةً بصرية، وما في قوله: «كما ترون» . مصدرية كما ذكرناه سابقًا، فتأول مع ما بعدها بمصدرٍ، والتقدير كرؤيتكم القمر، فالتشبيه حينئذٍ للرؤية بالرؤية وليس للمرئي بالمرئي لأن الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ولا شبيه له ولا نظير. وقوله: «ليلة البدر» . أي: ليلة إبداره، «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر» . المصنف أسقط هذه الجملة وهي موجودة في حديث جرير، وكذلك في حديث أبي هريرة، «ليلة البدر» . أي: ليلة إبداره، والقمر إنما يكون قمرًا أو يسمى قمرًا بعد ثلاثٍ من الشهر إلى آخر الشهر، يُسمى قمرًا لبياضه، والبدر هو القمر ليلة كماله، وهو الممتلئ بالنور، الممتلئ نورًا وهي ليلة الرابعة عشر والخامسة عشر من الشهر، إذًا هذا النص «كما ترون هذا القمر» .