الخير والشر ليس المراد به تقدير الله عز وجل، وإنما المراد به الشيء المخلوق المقدر الذي يوجد، حينئذٍ قد يكون فيه للإنسان العبد خير وقد يكون فيه شر، ثم الشر ليس شرًّا محضًا، وإنما هو في ظاهره شر، لكن يترتب عليه ما هو خير، ولذلك اختلف أهل العلم هل يوجد في الدنيا أو شيء خلقه الله عز وجل هو شر محض من كل وجه؟ الصحيح لا، حتى إبليس فيه خير، لكن لا لذاته وإنما لما يترتب عليه من المنافع والحكم كمثلًا إذا أضر أو أضل زيدًا من الناس، ثم يتنبه فإذا به قد رجع إلى الله عز وجل، فيعين العبد على الوقوع في الذنب ثم يحصل له رجعة وأوبة إلى الله عز وجل وحينئذٍ نقول: إبليس دله على هذه المعصية ثم بعد ذلك تاب ورجع. إذًا لا يوجد عندنا شيءٌ مخلوقٌ هو شرٌ محضٌ من كل وجه، بل لا بد أن يكون فيه خيرٌ من وجهٍ دون وجهٍ.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إثبات الشر في القضاء إنما هو بالإضافة إلى العبد والمفعول إذا كان يقدر عليه بسبب جهله وظلمه وذنوبه لا إلى الخالق فله في ذلك من الْحِكَم ما تقصر عنه إفهام البشر. يعني: قد يقول قائل: لم يظهر لي وجود مثلًا الكفار، وكونهم مُكِّنُوا بهذا التمكين أو نحو ذلك نقول: هذا الشيء هو شرٌ بالنسبة للمسلمين مثلًا، لكن فيه خيرٌ قد يدرك الإنسان هذه الخيرية وقد يَخفى عليه، عدم إدراكه لا يلزم منه نفي الخيرية والنفع للمسلمين من هذا الوجود، حينئذٍ قد تُفهم تلك الحكم التي رتبها الله عز وجل على وجود هذا الشر وقد لا تفهم، ولذلك قال: فله في ذلك من الْحِكَمِ ما تقصر عنه إفهام البشر، فهو شرٌ بالإضافة إلى العبد، وأما بالإضافة إلى الخالق فكله خيرٌ وحكمة، فإنه صادرٌ عن حكمةٍ وعلم. يعني نقول ماذا؟ الله عز وجل علم أولًا وهو صادرٌ عن علمه فحينئذٍ هو حكيمٌ جل وعلا متصفٌ بالحكمة حينئذٍ هو صادرٌ عن حكمةٍ وعلم، وما كان كذلك فهو خيرٌ محضٌ بالنسبة إلى الرب إذ هو موجَب أسمائه وصفاته، يعني: أثر كل ما في الكون هو أثر من آثار أسماء الله عز وجل وصفاته، ولذلك قال ابن القيم في فائدةٍ له في موضعٍ آخر قال: إن الحق لا يجوز رده ولو على الكافر. فتقبل الحق ولو كان من كافرٍ، لماذا؟ هذا الذي دلت عليه النصوص، ولذلك نقول: الحكمة ضالة المؤمن، أنَّا وجدها أخذها ولو على لسان كافر، لماذا؟ لأنه لا حق في هذا الوجود في السماوات وفي الأرض إلا وهو أثرٌ من آثار اسم الله عز وجل الحق، فإذا رددته فقد رددت على الله عز وجل. إذًا إذ هو موجب أسمائه وصفاته ولا تعارض بينه وبين قوله: والشر ليس إليك. لأن معناه أنه يُمنع إضافة الشر إليك بوجهٍ من الوجوه. يعني: لا يضاف الشر إلى الله عز وجل وإنما يضاف إلى من؟ إلى المخلوق، يضاف إلى المخلوق فلا يضاف الشر إلى ذاته ولا إلى أسمائه وصفاته وأفعاله، فإن ذاته منزهةٌ عن كل شر وصفاته كذلك إذ كلها صفات كمال ونعوت جلالٍ لا نقص فيها بوجهٍ من الوجوه، إذًا نؤمن بالقدر خيره وشره هذان الوصفان راجعان إلى المفعولات. دد