حينئذٍ الذي كتبه الله عز وجل عليك من هدايةٍ أو ضلالة أسباب التيسير ستكون من عند الله عز وجل، لكنك مكلفٌ بتصحيح الاختيار، ولذلك جعل لك مشيئة تابعةً لمشيئته جل وعلا وجعل لك قدرة بها تستطيع الفعل، حينئذٍ لما خيرك بين الأمرين وجب عليك أن تختار ما بلغك أنه طاعةٌ لله عز وجل، وأما كونه موافقًا للمكتوب أو لا؟ هذا لا يكون إلا بعد الإيجاد، وهو شيءٌ مجهولٌ لك، وأما احتجاج آدم بالقدر فهو احتجاجٌ على المصيبة لا على فعل الذنب، المصيبة ترتبت على فِعْلِ الذنب فَعَلَ الذنب أكل من الشجرة ثم أخرجه الله عز وجل هو وذريته، إذًا عندنا فِعْلُ ذنب وعندنا مصيبة ترتبت على فعل الذنب، احتج آدم عليه السلام بالقدر هل هو في فِعْلِ الذنب أم في المصيبة المترتبة على الأول فعل الذنب؟ لا شك أنه احتج بالقدر على المصيبة لا على فعل الذنب، لأنه فعل الذنب وترتب عليه الخروج من الجنة هذه المصيبة التي ترتبت عليه، لكنه تاب منه «والتائب من الذنب كمن لا ذنب له» . حينئذٍ لا يحتج بالقدر على وجود الذنب إذا تاب منه، هذا هو الأصل، فاللوم على المصيبة التي حصلت بفعله وهي: إخراج الناس ونفسه من الجنة، ويرى ابن القيم رحمه الله تعالى: أن احتجاجه بالقدر بعد فعل المعصية والتوبة منها لا بأس به، يعني: لو قيل بأن آدم احتج على فعل الذنب لكن نقول: بعد التوبة، وأما أن يحتج بالقدر ثم يقدم على الذنب نقول: هذا ليس في فعل آدم فرقٌ بين من احتج بالقدر ثم يستبيح المحرمات، يذهب يمنة ويسرة ويفعل ما شاء ثم يقول: كله مكتوبٌ عليّ. نقول: لا، إذا وقع الذنب وغلبتك نفسك وغرك الشيطان ثم تبت قدر الله وما شاء فعل، لأنك علمت أنه مكتوب قطعًا أنه مكتوب لأنه لا يقع شيء إلا وقد كتب، وأما إن احتج بالذنب والاستمرار على الذنب نقول: هذا فاسد، لكنّ الأول أولى، وهو ما قاله ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن احتجاج آدم على المصيبة لا على فعل الذنب. واستدل المصنف على إبطال الاحتجاج بالقدر على المعاصي بقوله تعالى: ... ( {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] ) . حينئذٍ قطعت وجه الدلالة أنه لو كان القدر حجة ما بطلت بإرسال الرسل، لو كان القدر حجة لأننا ماذا نقول؟ نقول: يحتج بالقدر على المعاصي كلها سواءً كانت كفرًا أم شركًا أم فسقًا، يعني: ما دون الكفر والشرك، لو كان القدر حجة هل انقطعت هذه الحجة بإرسال الرسل؟ الجواب: لا، لأنه قدر سابق عن إرسال الرسل وبعد إرسال الرسل، هذا ثابت قبل خلق السماوات والأرض وقبل أن يوجد الرسل، ومع ذلك يقول الله عز وجل: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] .دد