فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 401

وإذا احتج بالقدر بقيت الحجة لأنها قائمة أنه لو كان القدر حجة ما بطلت بإرسال الرسل، وذلك لأن القدر لا يبطل بإرسال الرسل، بل هو باقٍ فالله تعالى أخبر أنه أرسل الرسل لقطع الحجة، ولو كان القدر حجة لم تنقطع بإرسال الرسل، أيضًا يقال: العاصي قبل أن يقدم على المعصية لا يدري ما قدر له وهو باستطاعته لأن الله عز وجل جعل له إرادة وقدرة باستطاعته أن يفعل أو يترك، فكيف يسلك الطريق الخطأ ويحتج بالقدر المجهول؟ هذا باطل، أليس من الأحرى له أن يسلك الطريق الصحيح ويقول: هذا ما قدر لي؟ إذًا لماذا لا تصلي فتقول: قدر الله عز وجل لي الصلاة؟ بدلًا من أن تترك الصلاة وتقول: قدر الله عز وجل على ترك الصلاة. أيضًا كل شخص عاقل يدرك الفرق بين العمل الاختياري والإجباري فليس مجبورًا، وأن الأول الذي هو الاختياري يستطيع التخلص منه، ولذلك قال المصنف: (ونعلم أن الله سبحانه وتعالى ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك) . إذًا بالجملة الأولى السابقة بقوله: (ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن، ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثةَ الرسل) أو (بعثةِ الرسل، قال الله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] ) . هذا رد على من احتج بالقدر في ارتكاب المعاصي، ثم قال: (ونعلم أن الله سبحانه وتعالى ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحدًا على معصيته، ولا اضطره إلى ترك طاعة) . لأنه جعل له مشيئة وهذه المشيئة تابعة لمشيئته جل وعلا وجعل له قدرة بها يستطيع أن يفعل الفعل أو يترك النهي، ولذلك قال: (لم يجبر أحدًا على معصيته، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ) . إذًا هذه الجملة فيها زيادة تأكيد على ما مضى وأن الله تعالى أمر العبد ونهى ولم يكلفه إلا ما يستطيع، كما قال المصنف هنا: (قال الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ) . والوسع هو الطاقة، فنفى الله عز وجل أن يكلف ويأمر وينهى عبدًا لا يقدر، فدل ذلك على أن له اختيارًا وأن له إرادة ولو كان مجبورًا على العمل ما كان مستطيعًا على الفعل أو الكف، لأن المجبور لا يستطيع التخلص، هذا الأصل، أيضًا أن الله تعالى أضاف عمل العبد إليه وجعله كسبًا له فقال كما في الآية الثالثة التي ذكرها المصنف: ( {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [غافر: 17] ) . ( {بِمَا كَسَبَتْ} ) ، إذًا إذا قيل: صام العبد، صام زيد. هو الذي أحدث الصوم لم يجبره الله عز وجل، وكذلك إذا قيل: صلى زيد، أو زنا زيد، أو رابا زيد، حينئذٍ الأفعال منسوبة إليه، ولذلك قال: ( {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} ) . يعني: بما عملت، ولو لم يكن له اختيار في الفعل وقدرة عليه ما نسب إليه، إذًا قوله: ( {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ) ، ( {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ) . يدل على أن العبد له إرادة ويستطيع بها الإقدام على الفعل المحبوب لله عز وجل، والكف عن الفعل المحظور. دد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت