وأما نعيم أهل الجنة في قبورهم فهو مستمرٌ دائم، وأما عذاب الكافر في قبره فهو مستمرٌ دائم، وأما الموحدون المذنبون الذين ماتوا على غير توبةٍ فهذا قد يكون دائمًا وقد يكون منقطعًا، فالاستمرار حينئذٍ نعيم المؤمن مستمرٌ إلى أن ينفخ إسرافيل في الصور، وعذاب الكافر كذلك مستمرٌ إلى أن ينفخ إسرافيل في الصور، وأما المؤمن الموحد الذي مات على معصيةٍ حينئذٍ كما ذكرنا سابقًا أنه تحت المشيئة، فقد يؤاخذه الله عز وجل فحينئذٍ قد يصيبه من اللَّواء والشدة عند النزع ما يكفر به عن معاصيه، فإذا دخل القبر حينئذٍ لا يعذب، وقد لا يكفي في ذلك ما يصيبه من اللَّواء والشدة عند النزع فيحتاج إلى نوع عذابٍ في القبر ثم قد يستمر وقد لا يستمر والله أعلم بحال كلٍّ منهم، وهذا الذي ذكره المصنف البعث بعد الموت هو القيامة الكبرى، إذ الناس في قبورهم يفتنون ثم بعد ذلك ينفخ في الصور نفخة البعث، فإن يوم القيامة يقع على ما بعد نفخة البعث من أهوال وزلزلةٍ وغير ذلك إلى الاستقرار في الجنة أو النار، قال القرطبي رحمه الله تعالى: القيامة قيامتان: صغرى، وكبرى. فالصغرى ما تقوم على كل إنسانٍ فهي خاصةٌ من خروج روحه وانقطاع سعيه. يعني: خاصة به، فكل من مات قامت قيامته، وهذا يكون بخروج روحه، الكبرى فهي التي تعم الناس وتأخذهم أخذةً واحدة، حينئذٍ هذه عامة وهي التي عناها المصنف هنا، قيل: سمي ذلك اليوم يوم القيامة لكون الناس يقومون من قبورهم، قال تعالى: {يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} [القمر: 7] . وروى مسلم مرفوعًا: «يقوم الناس لرب العالمين» . قال: «يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» . إذًا البعث ثابتٌ كما ذكرنا وهو المراد بالقيامة الكبرى عند أهل العلم، والنفخ كما قال المصنف هنا: (وذلك حين ينفخ إسرافيل) . النفخ معروف، و (الصور) في اللغة: هو القرن، وشرعًا: قرنٌ عظيم التقمه إسرافيل ينتظر متى يأمر بنفخه، وإسرافيل كما هو معلوم أحد الملائكة الذين يحملون العرش وهما نفختان:
إحداهما: نفخة الفزع، ينفخ فيه فيفزع الناس ويصعقون إلا من شاء الله، يعني: قبض الأرواح.
والثانية: نفخة البعث، ينفخ فيه فيبعثون ويقومون من قبورهم، وإذا أطلق النفخ في الصور فالمراد به نفخة البعث كما هو مشهورٌ عند أهل العلم.
وقيل: النفخ في الصور ثلاث نفخات:
نفخة الفزع وهي التي يتغير بها العالم كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ} [النمل: 87] . وسميت نفخة الفزع لما يقع من هول تلك النفخة.
والثانية: نفخة الصعق، وفيها هلاك كل شيء كما قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ} [الزمر: 68] . ... الآية، وفسر الصعق بالموت وهو متناولٌ حتى الملائكة، والاستثناء متناولُ لمن في الجنة من الحور العين وغيرهم، {إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ} [الزمر: 68] . يعني: ممن كتب الله عز وجل عليهم عدم الموت. دد