والنار في اللغة معروفة، وشرعًا الدار التي أعدها الله في الآخرة للكافرين، قال المصنف: (مخلوقتان) . يعني: الآن، فنؤمن بأن الجنة أعدها الله عز وجل للمتقين وأن النار أعدها للكافرين، ولذلك قال تعالى في الجنة: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] وقال في النار: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131] . والإعداد هو التهيئة هيئها جاهزة مخلوقة، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - حين صلى صلاة الكسوف: «إني رأيت الجنة» . رأيت الجنة فرآها «فتناولت منها عنقودًا ولو أخذته لأكلت منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أرى كاليوم منظرًا قط أفظع» . الحديث متفقٌ عليه، إذًا (الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان) ، الفناء هو: الإعدام، يعني: الجنة باقيةٌ لا تفنى أبدًا، والنار كذلك باقيةٌ لا تفنى أبدًا، وهذا محل إجماع محل إجماع بين السلف لقوله تعالى: {جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [البينة: 8] . والتأبيد إنما يكون في المستقبل، والآيات في تأبيد الخلود في الجنة كثيرة في القرآن، وأما في النار فذكر التأبيد تأبيد النار في ثلاثة مواضع في النساء قوله تعالى: {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 168، 169] وفي الأحزاب: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الأحزاب: 64، 65] ، وفي سورة الجن: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23] . هذه كلها تدل على أن الجنة وكذلك النار مؤبدةٌ أبد الآباد، (فالجنة مأوى أوليائه) الجنة مأوى أي: محل نُزُلْ مكان، (أوليائه) وهم كل مؤمنٍ تقي، لقوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] . فحينئذٍ عُلِّقَ الحكم على المتقين، فدل على أنها ليست محلًا لغير المتقين، كذلك قال تعالى: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد: 21] . إذًا من لم يؤمن فالجنة عليه حرام {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ} [المائدة: 72] ، (والنار عقاب لأعدائه) وهم كل كافر شقي {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131] وهو مشتق دل على أن غير الكافر لم تعد له {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ} [هود: 106] {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ} هذا وصفٌ، (وأهل الجنة فيها مخلدون {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف: 74، 75] ) ، ( {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} ) ، يعني: لا ينقطع عنهم البتة ولا في ساعة من الساعات، ( {مُبْلِسُونَ} ) ، أي: آيسون من كل خيرٍ، والنار في أسفل سافلين لقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} [المطففين: 7] . ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث البراء بن عازب: «فيقول الله تعالى أكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى» .دد