ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار) هذا تتميم لما سبق، وهذه القاعدة التي يذكرها أهل العلم في هذا المقام (ولا نجزم لأحد من أهل القبلة) المراد بأهل القبلة من؟ يعني: المسلمون الموحدون (لا نجزم) يعني: لا نقطع (لأحد) بشخصٍ بعينه باسمه من أهل القبلة أنه في جنة ولا نار إلا من جزم له الرسول - صلى الله عليه وسلم - (لكنا نرجو) يعني: من غير جزمٍ (للمحسن ونخاف) من غير جزمٍ (على المسيء) ، أي: لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة إنه من أهل الجنة، أو إنه من أهل النار، إلا من أخبر الصادق - صلى الله عليه وسلم - أنه من أهل الجنة كالعشرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فنقف عن الشخص المعين فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علمٍ، لأن حقيقة باطنه وما مات عليه لا نحيط به، لأنه قد يكون مظهرًا للكفر مبطنًا للإسلام، وهذه إن وجدت قرينة قد يقال بالشخص، أنه إذا اضطر مثلًا أو نحو ذلك قد يقال بأنه لا يُجْزَمُ له، لكن إن كان في بلده ويرفع رأيت الكفر ويدعو إليه ثم مات على ما هو عليه تنتفي هذه العلة، لأن الأصل موافقة الباطن والظاهر، فما أظهره هو باطنه، وما أبطنه هو ظاهره، هذا هو الأصل، إن وُجِدَ ما يقتضي خلاف ذلك فهذا يكون لقرينة، وأما الأصل فالأصل فيه تطابق والتوافق، (لكنا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء) وللسلف الشهادة بالجنة على جهة الخصوص ثلاثة أقوال، السلف مسألة خلافية في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال:
الأول: ألا يُشهد لأحد إلا للأنبياء. الأنبياء فقط، أين ذهبت النصوص السابقة، «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة» .، و «الحسن والحسين سيدا [أهل الجنة، و] شباب أهل الجنة» . هذا ينقل عن محمد بن الحنفية والأوزاعي، لكنه قول ضعيف، أنه لا يُشهد إلا للأنبياء.
ثانيًا: أنه يُشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه نص، وهذا قول كثير من العلماء وأهل الحديث، بمعنى أننا نتوقف على النص من شهد له باسمه شهدنا له، ومن لم يشهد له باسمه توقفنا، وقلنا: نرجو له الجنة.
القول الثالث: أنه يُشهد بالجنة لهؤلاء، يعني من نصَّ عليهم الخبر، ويزاد عليه، ولمن شهد له المؤمنون، كما في الصحيحين، يعني الدليل على هذا في الصحيحين البخاري ومسلم أنه مُرَّ بجنازة فأثنوا عليها بخير فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجبت» . ومُرَّ بأخرى فأُثْنِيَ عليها بشرٍّ فقال صلى الله عليه وسلم: «وجبت» . فقال عمر: يا رسول الله من وجبت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «هذا أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض» . أثنيتم عليه خيرًا وقال:"وجبت الجنة". وجوب الجنة هنا لشخص معين أو لوصف عام؟ دد