فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 401

رواه البخاري، إذًا وقع خلافٌ في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقره، لكن هنا الخلاف لم يكن صادرًا عن تعلقٍ بشخص، وإنما هو صادرٌ عن تعلقٍ بنصٍ محتمل، ففرقٌ بين المسألتين، قولٌ يتعصب فيه الناظر إلى شخصٍ هذا الشخص ليس بمعصوم لا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد ليس واحدٌ منهم معصومًا، حينئذٍ إذا أستند إلى قول من ليس بمعصوم دون نظرٍ في دليلٍ صار الخلاف أو التمسك أو التعصب هذا مذمومًا، وأما إذا نظر إلى النص وكان النص مختلفًَا أو محتملًا ووقع خلاف هذا الخلاف ليس بمذموم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرهم على ذلك، ولأن الاختلاف فيها موجودٌ في الصحابة وهم خير قرون، الصحابة اختلفوا، اختلفُوا في بعض المسائل المتعلقة بالميراث، حينئذٍ لا يضلل المخالفون هنا لأن النصوص محتملة وهذا الخلاف محمود، لكن مع اعتقادي أن واحدًا منهم هو الحق، يعني: لا نصوب الجميع، نقول: الكل حق، وإنما الحق محصورٌ في جهةٍ واحدة، والآخر يكون مقابلًا له، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا حكم الحاكم فأخطأ فله أجر» . إذًا قسم الحكم والاجتهاد إلى نوعين: خطأ، وصوابٍ. إذًا لا يقال: بأن كل مخالفٍ أو كل مختلفٍ في الفروع فهو على حقٍ، هذا قولٌ باطل، لأن الحق واحدٌ وهو عند الله تعالى، ولأن الاختلاف فيها موجودٌ في الصحابة وهم خير القرون، ولأنه لا يورث عداوةً ولا بغضاء ولا تفرق كلمةٍ بخلاف الاختلاف في الأصول.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: وقول المؤلف: (المختلفون فيه محمودون في اختلافهم) . هذا إطلاق وفيه نظر، لكن الشيخ وجهه إلى قوله ليس ثناءً على الاختلاف، فإن الاتفاق خيرٌ منه وإنما المراد به نفي الذم عنه، وأن كل واحدٍ محمودٌ على ما قال لأنه مجتهدٌ فيه مريدٌ للحق فهو محمودٌ على اجتهاده وإتباع ما ظهر له من الحق وإن كان قد لا يصيب الحق، قد لا يصيب لكنه محمود، إذًا هو مأجور، لكن إذا سلك المسلك الصحيح في استنباط الأحكام من الأدلة، وقوله: (إن الاختلاف في الفروع رحمة) . وإن (اختلافهم رحمة واسعة) ، أي: داخلٌ في رحمة الله وعفوه حيث لم يكلفهم أكثر مما يستطيعون ولم يلزمهم بأكثر مما ظهر لهم فليس عليهم حرجٌ في هذا الاختلاف بل هم فيه داخلون تحت رحمة الله وعفوه، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجرٌ واحد، حينئذٍ على هذا التأويل تكون عبارة المصنف لا بأس بها، وهي قولهم: (واختلافهم رحمة واسعة) . نقول: هذا الاختلاف إن كان اختلافًا صحيحًا عليه دليل ولم يكن متعصبًا لأشخاص والأدلة محتملة، وأما إذا كان مخالفًا لنص فهذا لا عبرة به، ولذلك (واتفاقهم حجة قاطعة) . يعني: إجماعهم يعتبر من الحجج القطعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت