والعقل ما يكون به التفكير والاستدلال وتركيب التصورات والتصديقات ويتميز به الحسن من القبيح والخير من الشر والحق من الباطل، ويجمع على عقول، وأل في (العقول) للجنس (لا تمثله العقول) ، تقول: للجنس وأل الجنسية تبطل معنى الجمعية، حينئذٍ ينفى العقول ثلاثة فأكثر وما دونها على ما ذكرناه سابقًا، فيصدق قوله: (العقول) . بالواحد وبالمتعدد، والتفكير مصدر فَكَّرَ يُفَكِّرُ تَفْكِيرًا كـ عَلَّمَ يُعَلِّمُ تَعْلِيمًا، وهو هنا على معناه المصدري قالوا: فَكَّرَ في الأمر أعمل العقل فيه. (لا تمثله العقول بالتفكير) ، يعني: بالأعمال فيعمل العقل في ذات الله تعالى فيعمل العقل في صفات الله تعالى، نقول: هذا لا وجود له، لأنك إما أن تمثله بشيء محسوس وهذا باطل، وإما أن تتخيل شيئًا في ذهنك، وهذا باطل، لأن الكلام في الصفات فرعُ الكلام في الذات، والله عز وجل لا يحاط به البتة، إذًا فَكَّرَ في الأمر أعمل فيه العقل ورتب بعض ما يعلم ليصل به إلى المجهول، الذي يسمى عند المناطقة بترتيب التصورات التي يصل بها إلى التصديقات، وَفَكَّرَ فلان بالأمر أخطره بباله، فمدلول الجملة التي أرادها المصنف أن الله تعالى لعظمته في ذاته وصفاته لا يمكن أن تمثله العقول بالتفكير لقصورها في ذاتها، هي قاصرة وكما ذكرنا فيما سبق أن العقل ليس مصدرًا من مصادر التشريع البتة لا في باب الأسماء والصفات ولا في باب الأحكام، وإما النظر يكون في باب الفقهيات الفروع الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح كما يقيده به ابن حزم رحمه الله تعالى، وأما باب المعتقد فالكتاب والسنة، ويذكر الإجماع لأنه لا إجماع إلا على نص، وأما القياس فهذا فيه تفصيل، القياس الأَوْلَوِي الذي أثبته ابن تيميه رحمه الله تعالى وهو ثابت وما عداه فلا.
قال رحمه الله تعالى: (ولا تتوهمه القلوب بالتصوير) . هذه الجملة مرادفة في المعنى للجملة السابقة، يقال: توهم الشيء ظنه وتَمَثَّله وتخيله كان في الوجود أو لم يكن، يعني: لو كان في التصورات الذهنية، لأن الذهن يتصور ما لا وجود له، أليس كذلك؟ زيد يتصور يَتصور حمار بعشرة رؤوس، مائة قدم إلى آخره، كذلك ممكن تخيل في ذهنك هكذا واسرح، حينئذٍ تصور العقل ما لا وجود له البتة، وأما في الوجود فهذا شيء آخر، وأصل الوهم الغلط والخطأ وما يقع في الذهن من الظنون والخواطر والقلب معروف وصَوَّر الأمر وصفه وصفًا يكشف عن جزئياته، والتصوير هذا مصطلح منطقي وهو ما يعبر عنه بإدراك المفرد
إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ ... وَدَرْكُ نِسْبَةٍ بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ