بما يهديهم وأعلمُ بما يُضلهم، وخلق لهم من العقول ما يكونُ دلالةً لهم في استنباطِ الوحي من ما لا يُعارضُ نصًا محكمًا من كلام الله - عز وجل - وكلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
لا يجوز لأحدٍ أن يأخذه على سبيل الاستقلال فيشرعُ له من الدين ما لم يأذن به الله، فإن أخذ منه ضل وتزندق، وإن استعمل العقل في حدودِ ما أذن اللهُ جل وعلا به وفقه اللهُ - سبحانه وتعالى - للخير والهدى والرشاد، فكان حينئذٍ مقامُ العقل بالنسبةِ للوحيِ والنقل كحالِ البصر بالنسبةِ للضياء لا ينفكُ أحدُهما عن الآخر.
فمن أراد أن يُبصرَ بعينيه بلا ضوءٍ من الشمس فإنه يرومُ محالًا، ومن أراد أن يُبصرَ من غير بصرٍ بضياء الشمس فإنه يطلبُ متعذرًا، لهذا لابد من الجمعِ بينهما.
فالواجبُ على طالب العلم والذي يروم الهداية أن يُسخرَ ما وهبه اللهُ جل وعلا من عقل وفكر في التأمل بشريعةِ الله والاستنباط منها ما يصلح الإنسانَ في عاجلِ أمرهِ وآجله وأن يكون حذرًا حال استنباطه من مصادمة النصوص المتقررة المحكمة والتي عليها خيرُ القرون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن جاء بعدهم.
فالخيرةُ التي جعلها اللهُ جل وعلا في الصدر الأول هي خيرةُ علمٍ معرفةٍ كما قال عليه الصلاةُ والسلام في الصحيحين وغيرهما من حديثِ عمران: «خيرُ الناسِ قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» ، هذه الخيرية هي خيرية العلم، يظهرُ هذا في قوله عليه الصلاةُ والسلام: «من يُرد اللهُ به خيرًا يفقه في الدين» ، وقوله جل وعلا: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] .
فالخيرية التي أنيطت بالأمة وأنيطت بخير القرون هي التمكنُ بسبب الأمان للأمةِ في الحالِ والمآل، لهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما رواه مسلم ومن حديثِ أبي موسى: «النجومُ أمنةٌ للسماء فإذا ذهب النجوم آتى السماءُ ما توعد، وأنا أمنةٌ لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنةٌ لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أُمتي ما يوعدون» .