الصفحة 4 من 8

الأمانُ المرادُ به هُنا في عاقبة الإنسانِ وكذلك في عاجلهِ، ويظهرُ هذا من قولهِ - سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام:82] ، الأمنُ المرادُ به في هذه الآية هو نقيض الحق، الذي هو نقيض الظلم وهو العدل الذي أمر اللهُ جل وعلا بإقامتهِ في الناس وهو التوحيد، لهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أُنزلت هذه الآية: «إن الظلم كما قال العبد الصالح لابنه: {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] » .

إن التوحيد هو العدل، ومن فروع التوحيد إقامة شعائر الدين الظاهرة والباطنة في الإنسان وفي الأُمة، وإقامة الدين في الظاهر والباطن في حال الإنسان في خاصتهِ وكذلك في عمومِ حال الناس في الأقضية والأحكام وكذلك في الأحوال الشخصية وفي الآداب وفي المُعاملات فضلًا عن الأصول العامة مما يقتضي ذلك العدل في حقوق الناس في الدماءِ والأموالِ والأعراض بإقامة حكمِ اللهِ جل وعلا فإن هذا مُنتهى العدل وغايتهِ.

فإذا أقامه الناس كانوا حينئذٍ أصحاب حق وعدل وكانت الثمرة حينئذِ الأمن بين يدي الله جل وعلا والأمان من الفتنةِ في هذه الدُنيا، والفتنة في هذه الدُنيا هي لازمةٌ لنقصان العلم، ونقصان العلم لازمٌ لسواه، لازمٌ لوفور الجهل وبغية الناس، ولذلك ورد في نصوصٍ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الإخبارِ بأحوالِ الناس في آخر الزمان بأمورٍ مترادفةٍ من جهة المعنى وإن تباينت من جهة اللفظ:"يُقبضُ العلم ويظهرُ الجهل»، وهذا في أحاديث متفرقة."

فإن ظهور الجهل لازمٌ لقبض العلم، وقبضُ العلم لازمٌ لظهور الجهل، وظهور الجهل لازمٌ أيضًا لقبض العلماء أو لسكوت العلماء وعدم ظهور الحقِ على ألسنتهم، فإذا كانوا كذلك استحقوا أن يوصفوا بالجهل وأن توصفَ الأُمة حينئذٍ بالشر والفتنة وكذلك الزمن أن يوصفَ بهذا الوصف كما وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحوالَ الأمةِ في كثيرٍ من الأزمنة في الأعصار المتأخرة في أحاديث كثيرة منها في الصحيحين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت