فهرس الكتاب
وهذا يشير إلى مسألة مهمة وهي أن من وسائل الثبات: العلم بالحق, والعلم بالباطل, وليس وسيلة منفردة, فربما يعلم الإنسان ويضل, ولكنه يفيد مع تلك الوسائل؛ لأن الإنسان كلما كان أبصر بالحق لم يتزحزح عنه؛ لثباته عليه كحال الإنسان الذي يقال له: هذا حائط, وهذه أرض أو نحو ذلك, فيعلم موضع الحائط من غيره, وهذه بلدة كذا من هذه الجهة, وهذه بلدة كذا من هذه الجهة, فيبعد أن يُلبس عليه وإن زيَّف الناس, وإن وجد من الألواح المكتوبة أن بلدة كذا إليها سهم وبلدة كذا إليها سهم فإنه يُخطِّئ الألواح لثباته وعلمه بأن هذه البلدة هي بلدة كذا, وأن من وضع هذه اللوحة مخطئ؛ لأنه وجهها إلى غير وجهها؛ لأنه يريد أن يدلس ويلبس, ومرجع ذلك إلى علمه ويقينه ورسوخه وثباته, كذلك أيضًا معرفة الحق الذي أمر الله عز وجل به, لهذا كان العلماء في منزلة تختلف عن الجهال, وكلما كان الإنسان من أهل العلم كان من أهل الرسوخ والثبات, وإذا كان من أهل الجهل كان من أهل التذبذب، ويسهل حينئذ انطلاء الكذب عليه, فيشك ويتذبذب, ثم يبدأ بالرجوع عن الحق إلى دائرة الباطل, وبمقدار الجهل وبمقدار العلم يتفاوت الناس في هذا الباب, لهذا لم يأمر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام أن يسأله زيادة في أمر دين أو دنيا إلا أن يسأله زيادة علم, وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114] , لهذا ينبغي للإنسان أن يستكثر من زيادة العلم بالأخذ بأسبابه, وأن يسأل الله عز وجل الزيادة في العلم, وكذلك أيضًا أن يستعيذ من أن يجعل الله عز وجل العلم حجة عليه وأن يجعله حجة له, من جهة العمل والدلالة إلى الخير, وإقامة الحجة في الناس, من جهة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن هذا من المعين على تثبيت الحق, فإذا قام الإنسان بالحق في غيره فإنه يقوم في نفسه من باب أولى, والعلم بذلك على مراتب, أعلاه توحيد الله جل وعلا, الذي لأجله خلق الله عز وجل