يقول ابن المنذر رحمه الله:
(أجمع أهل العلم على وجوب صلاة الجمعة، ودلت الأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن فرائض الصلوات خمس، وصلاة العيدين ليس من الخمس، وإذا دل الكتاب والسنة والاتفاق على وجوب صلاة الجمعة، ودلت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن فرائض الصلوات الخمس، وصلاة العيدين ليس من الخمس، وإذا دل الكتاب والسنة والاتفاق على وجوب صلاة الجمعة، ودلت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن صلاة العيد تطوع، لم يجز ترك فرض بتطوع) .
3 -أن النصوص التي جاءت في الرخصة لمن صلى العيد لم تسلم من الطعن، وفيها كلامٌ معروف لأهل العلم، وأقوى هذه الأحاديث: حديث زيد بن أرقم وحديث أبي هريرة:
فأما حديث زيد بن أرقم: ففيه إياس بن أبي رملة راويه عن زيد، وهو مجهول، ليس له إلا هذا الحديث في السنن، كما قرره ابن عبد الهادي الحنبلي ، وبه أعله الأئمة، كابن المنذر وابن القطان وغيرهما.
وأما حديث أبي هريرة: فهو من رواية بقية، والكلام فيه مشهور، ومن هنا فقد رجح أحمد والدارقطني الرواية المرسلة .
وقد جزم ابن حزم الظاهري: بعدم ثبوت أي حديث في الباب ، وابن عبد الهادي مع تقدمه في هذا الشأن، وأخذه بقول أصحابه الحنابلة: فإنه لم يجد بدًا من إعلال أحاديث الباب، وإنما اعتمد على حديث زيد بن أرقم مع ما فيه .
ويبقى: أن تعدد الروايات المرفوعة والموقوفة، يدل على أن للحديث أصلًا، لاسيما مع قول ابن عباس لعمل ابن الزبير: إنه أصاب السنة، وهذا الأصل سيأتي مفسَّرًا في السبب التالي إن شاء الله تعالى.
4 -جاء في صحيح البخاري عن عثمان رضي الله عنه: ما ينص على أن الترخيص إنما كان لأهل العوالي ، وهذا فهم أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم، ومثل هذا لا يستمد من الرأي المصادم للنص، بل الموافق المفسر له، ويعضده ما جاء في النصوص المرفوعة: (إنا مجمِّعون إن شاء الله تعالى) ، مما يدل على أن الترخيص إنما كان لجماعة أخرى غير أهل الجمعة.
وهذا مسلك: الشافعي، والطحاوي، وابن عبد البر، فحملوا النصوص المرفوعة على غير أهل المصر، من أهل البادية ومن لا تجب عليهم الجمعة ، وهذا المسلك يعضده الأصول.
كما أن في فهم عثمان رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري من تعليق الترخيص لأهل العوالي فحسب: جوابٌ مفصَّل على دعوى ابن تيمية في جملة أصحابنا الحنابلة أن إجزاء صلاة العيد عن حضور الجمعة مطلقا هو قول الصحابة بلا مخالف، فهذا أمير المؤمنين يقيد الرخصة لأهل العوالي دون غيرهم.
أما ما جاء عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما من ترك إقامة الجمعة مترخِّصًا باجتماعها مع صلاة العيد، ثم موافقة ابن عباس رضي الله عنه له بأنه أصاب السنة:
فإنه يَرِدُ عليه أن فيه ترك صلاة الجمعة، وقد جاءت النصوص المرفوعة الصحيحة تنص صراحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى بالناس الجمعة، وإنما جاء في بعضها الترخيص في الحضور، هذا فحسب، ولذا فإن عمل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه أرجح من ناحية موافقة النصوص المرفوعة، مع ما فيها من زيادة في تفسير محل الرخصة، وما من شك أن الزيادة المفصَّلة عن الخليفة الراشد أرجح من الرواية المشكلة.
5 -أن المعنى المدَّعى في الترخيص من المشقة وتكدير فرحة العيد: إنما يصدق على أهل البادية