الصفحة 4 من 6

والقرى ومن كان خارج المصر، فإنما هم الذين يتكلفون حضور صلاة الجمعة، وفي حضورهم مرتين في يوم واحد مشقة ظاهرة، وتكدير لمقصود العيد من الفرحة والسرور، يعضد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد صلى العيد في المصلى، وفيه اجتمع الناس، فأخبرهم أن صلاة الجمعة لا تجب عليهم، ولا تلزمهم، وإن كان من عادتهم شهودها وتكلف حضورها، فهو محلٌ لبيان عدم الوجوب، لا الترخيص لأهل الوجوب، وهذا ما فهمه الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه.

ثالثا: الشذوذات:

القولان السابقان هما القولان المشهوران، وفي المسألة أقوال أخرى:

-أن العيد سنة إذا اجتمعا، وبه قال صاحب الجامع الصغير من الحنفية .

-أن أحدهما يجزئ عن صاحبه، وبه قال النخعي والشعبي .

-أن العيد يجزئ عن الجمعة إذا صلى بعدها ركعتين على طريقة الجمع، حُكي عن عطاء ومحمد بن علي بن الحسين .

-أن العيد يجزئ عن الجمعة وصلاة الظهر معا، نُقِل عن عطاء ، وابن الزبير .

قلت: هذه الأقوال مهجورة، والأصول كلها تشهد بفسادها، لاسيما القول بالجمع أو بالإجزاء عن صلاة الظهر، وإنما نشأت هذه الأقوال بسبب الارتباك الذي حدث في عهد صغار الصحابة رضي الله عنهم، حينما اصطدمت بعض الروايات المرفوعة التي لم تحفظ على وجهها بقواعد الباب وما ترتب على ذلك من حوادث ووقائع، ثم لما استقر الأمر هُجِرت، وكادت أن تندثر.

ويمكن تلخيص أوجه ضعف هذه الأقوال وبيان شذوذها بما يلي:

1.أن الله عز وجل افترض صلاة الجمعة في يوم الجمعة على كل من في الأمصار من البالغين الذكور الأحرار، فمن لم يكن كذلك، ففرضه الظهر في وقتها فرضا مطلقا لم يختص به يوم عيد ولا غيره.

2.أن إسقاط فرض الظهر والجمعة التي هي بدله لمكان صلاة العيد خارج عن الأصول جدا إلا أن يثبت في ذلك شرعٌ يجب المصير إليه .

3.أن العيد لا يسقط فرض الظهر إذا كان العيد في غير يوم الجمعة، فكيف يسقطه إذا وافقه في يوم جمعة؟!

4.أن الفرضين إذا اجتمعا في فرض واحد لم يسقط أحدهما الآخر، وإنما يجمعا، فكيف أن يَسْقُط فرضٌ لسنة؟

5.قد يكون القول بإسقاط صلاة الظهر فهم على وجهٍ مغلوط بسبب عدم خروج ابن الزبير لصلاة الجمعة، وأنه لم يخرج إلا لصلاة العصر، فيجوز أن يكون ابن الزبير قد صلاها في بيته، وهو جواز تؤكده الضرورة الشرعية، غير أن من الناس من ظن أنه لم يصل الجمعة ولا الظهر.

6.أنه إن صلى مع صلاة العيد ركعتين للجمعة فقد صلى الجمعة خارج وقتها عند أكثر أهل العلم حتى حكي فيه الإجماع، وإن كان الخلاف في وقت صلاة الجمعة محفوظ عن الحنابلة .

يقول ابن عبد البر رحمه الله:

(إذا احتملت هذه الآثار من التأويل ما ذكرنا لم يجز لمسلم أن يذهب إلى سقوط فرض الجمعة عمن وجبت عليه لأن الله عز وجل يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} ولم يخص الله ورسوله يوم عيد من غيره من وجه تجب حجته فكيف بمن ذهب إلى سقوط الجمعة والظهر المجتمع عليهما في الكتاب والسنة والإجماع بأحاديث ليس منها حديث إلا وفيه مطعن لأهل العلم بالحديث.

ولم يخرج البخاري ولا مسلم بن الحجاج منها حديثا واحدا وحسبك بذلك ضعفا لها وسنذكر الآثار ... إن شاء الله تعالى وإن كان الإجماع في فرضها يغني عما سواه والحمد لله) .

وقال ابن عبد البر أيضًا:

(ما يحضرني من الاحتجاج على من ذهب مذهب عطاء وابن الزبير على ما تقدم ذكرنا له إجماع المسلمين قديما وحديثا أن من لا تجب عليه الجمعة ولا النزول إليها لبعد موضعه عن موضع إقامتها على حسب ما ذكرنا من اختلافهم في ذلك كله مجمع أن الظهر واجبة لازمة على من كان هذه حاله وعطاء وابن الزبير موافقان للجماعة في غير يوم عيد فكذلك يوم العيد في القياس والنظر الصحيح، هذا لو كان قولهما اختلافا يوجب النظر فكيف وهو قول شاذ وتأويله بعيد والله المستعان وبه التوفيق) .

وقال العيني في شرحه على أبي داود

(قالت عامة الفقهاء: تجب الجمعة لعموم الآية والأخبار الدالة على وجوبها؛ ولأنهما صلاتان واجبتان فلم تسقط إحداهما بالأخرى كالظهر مع العيد) .

هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت