جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( {(85) } [البقرة: 85] ؟
الشيخُ: أقولُ هذهِ الآيةُ لا تَنطَبِقُ يا أخي؛ لأنَّه لو كانَتْ هذهِ الآيةُ تَنطَبِقُ عَلى هَؤلاءِ الحُكامِ، لانْطبقتْ على الأفرادِ أيضا الذينَ يَعيشونَ تَحْتَ سُلْطَةِ هَؤلاءِ الحُكامِ مِمَّن لا يُقيمونَ بَعْضَ أحكامِ الإسلامِ، وأنا ذَكَرتُ آنفًا الحديثَ الذي يَقولُ فيهِ عليه الصلاة والسلام: (إذا تَبايَعتُمْ بالعِينَةِ، وأخذتُمْ أذْنَابَ الْبَقَرِ .... )
والحديثُ الثَّانِي: (حُبُّ الدُنيا وكَراهِيةُ المَوتِ .... ) ، فَلَو انْطَبَقَتْ الآيَةُ المَذكورةُ عَلى بَعْضِ الحُكامِ، فَلا فَرْقَ حينَئِذٍ بَيْنَ هَؤلاءِ الحُكامِ وبَيْنَ أفرادٍ مِنْ جَماهيرِ المُسلِمينَ لا يُطَبِقونَ كَثيرًا مِنْ أحكامِ الإسلامِ، وهُنا يأتي مَوضوعٌ طالَما طَرَقناهُ بِمُحاضَراتِنا وفي كَثيرٍ مِنْ تَسجيلاتِنا، ألا وهُوَ الكُفْرُ العَمَليُّ والكُفْرُ الاعتقاديُّ، وهذا أمرٌ ضَروريٌّ جِدًا، ومَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كُفْرٍ وكُفْرٍ، يُخْشَى عَليهِ أنْ يَقَعَ في الكُفْرِ مِنْ حَيثُ لا يدري.
مِنْ أجل ذَلكَ، صَحَّ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عباس صلى الله عليه وسلم، وهُوَ تُرجُمانُ القرآنِ بِحقٍ أنَّهُ فَسَّرَ قَولُه تعالى) {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَاولَائِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) } [1] ، قالَ: لَيسَ كَما يَظنونَ، إنَّما هُوَ كُفْرٌ دونَ كُفْرٍ، فَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أنزلَ اللهُ، هُنا بَيتُ القصيدِ مِنَ الجوابِ عَنْ سؤالكَ عَن الآيةِ المَذكورةِ، فَهَلْ تَنْطَبِقُ عَلى هَؤلاءِ الذينَ عَطَّلوا الجِهَادَ؟!
فَجوابي: قد تَنْطَبِقُ عَلى بَعْضِهم ولا تَنْطَبِق عَلى البَعْضِ الآخَرِ، كَيفَ ذَلكَ؟ بِدَليلِ أثَرِ ابنِ عباسٍ المَذكورِ: (كُفْرٌ دونَ كُفْرٍ) ، فَمَنْ أَنكَرَ شَرعيَّةَ الجِهَادِ عَقيدةً فهذا هُوَ الكافِرُ، وهذا هُوَ الذي تَنطبقُ عَليهِ الآيةُ وغَيرُها.
أمَّا مَنْ اعتَرَفَ بِفَرضِيَّةِ الجِهَادِ، سَواءً كانَ حاكِمًا أو مَحكومًا، ولَكِنَّهُ لا يُجاهِدُ اتباعًا للهوى، وتكالُبَهُ على الدنيا ونَحوَ ذَلكَ، فهذا يَكونُ كُفرُهُ كُفرًا عَمَليًّا ولَيسَ كُفرًا اعتقاديًّا، لا فَرْقَ بَيْنَ الذي يَترُكُ الجِهَادَ وبَيْنَ الذي يَترُكُ كَسْبَ الحَلالِ، وإنَّما يَكسِبُ الحَرَامَ عن طريقِ الرِبا، أو بَيْعِ الخَمْرِ، أو ما شابَهَ ذَلكَ، فَكُلُّ هَذهِ مَعاصٍ بِلا
(1) سورة المائدة