فهرس الكتاب
يدل على أنهم أخذوا بقول غيرهم، فدل على جواز تقليد المجتهد الذي لم يبحث لمن بحث وعلم.
وناقش أهل المذهب الأول هذا الدليل: بأن هؤلاء الصحابة الذين ذكرتم كانوا لا يفتون اكتفاء بغيرهم من الصحابة، وأما علمهم لأنفسهم فلم يكن إلا بما عرفوه من الكتاب، وبما سمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن وقعت واقعة أشكلت عليهم ولم يعرفوا دليلها، شاروا غيرهم لتعرف الدليل، لا التقليد.
الترجيح: بعد ذكر المذاهب وسياق الأدلة من الجانبين يتبين لي أن الراجح هو المذهب الأول، وهو القول بأنه لا يجوز تقليد المجتهد قبل البحث لغيره مطلقًا.
ووجه ترجيحه: ما سبق من مناقشة أدلة القائلين بجواز تقليد المجتهد قبل البحث لغيره مطلقٌا [1] .
وأما القسم الثالث: وهو أن يكون المستفتِي عاميًا صرفًا لم يحصل على شيء من العلوم، فهذا لا يجوز له تقليد المجتهد بل يجب عليه، كما هو رأي جمهور العلماء، كما سبق بيان ذلك في الباب الأول [2] .
وأما القسم الرابع: وهو أن يكون المستفتِي قد ترقى عن رتبة العامة بتحصيل بعض العلوم المعتبرة في رتبة الاجتهاد، فهو متمكن من الاجتهاد في بعض المسائل، ولا يقدر على الاجتهاد في البعض الآخر إلا بتحصيل علم على سبيل الابتداء، كالنحو في مسألة نحوية، وعلم صفات الرجال في مسألة خبرية، فهو يشبه العامي ويشبه المجتهد، فهذا القسم الأرجح فيه أنه كالعامي فيما لم يحصل عليه فيقلد فيه، وكالمجتهد فيما وصل إليه بالاجتهاد، فلا يقلد فيه [3] .
(1) - انظر الإحكام للآمدي جـ 4 ص 204 وما بعدها، وانظر المستصفى للغزالي جـ 2 ص 121 وما بعدها، وانظر روضة الناظر لابن قدامة ص 202 وما بعدها، وانظر المدخل إلى مذهب أحمد ص 189، وانظر شرح عضد الدين لمختصر ابن الحاجب جـ 2 ص 300 - 301.
(2) - انظر ما سبق في الباب الأول ص 17 وما بعدها - التقليد الواجب.
(3) - انظر ما سبق في الباب الأول في الكلام على القسم الثاني من أقسام التقليد، وانظر مسألة: هل للمجتهد في نوع من العلم أن يفتي به، في الباب الثاني ص 73 وما بعدها.