الصفحة 121 من 214

4 -ولأن المفضول من أهل الاجتهاد، ولو انفرد لوجب على العامي الأخذ بقوله، فكذلك إذا كان معه غيره، وزيادة الفضل لا تؤثر.

ونوقش هذا الدليل بما يأتي:

(أ) قولكم: إن المفضول إذا انفرد أخذ بقوله فكذلك إذا كان معه غيره، يجاب عنه بأن هذا قياس مع الفارق؛ إذ أنه إذا انفرد وجب على العامي الأخذ بقوله لعدم وجود ما يعارضه، أما إذا وجد معه غيره، واختلفا في الفتوى، فإنه يجب عليه الاجتهاد والترجيح، كتعارض الدليلين عند المجتهد، فكما أن المجتهد لا يجوز في حقه اتباع الدليلين معًا، ولا اتباع أحدهما من غير ترجيح ولا اجتهاد، فكذلك لا يجوز للعامي اتباع المفتيين معًا، ولا اتباع أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح.

(ب) قولكم: إن زيادة الفضل لا تؤثر يجاب عنه: بأن زيادة الفضل تفيد قوة الظن في معرفة الحكم، ولله -تعالى- سرٌّ في ردّ العباد إلى ظنونهم، حتى لا يكونوا مهملين، مسترسلين كالبهائم، متبعين للهوى، بل هم ملجمون بلجام التقوى.

الترجيح: بعد ذكر الأقوال في هذه المسألة يتبين لي أن الراجح هو القول الأول، وهو القول بأن المستفتي يلزمه الأخذ بقول الأعلم الأدين.

وجه ترجيحه:

1 -ما سبق من مناقشة أدلة القائلين بأنه يتخير في الأخذ بقول من شاء منهما.

2 -أن القول بالتخيير يلزم عليه محذوران:

أحدهما: أن هذا قول بجواز تعارض الدليلين في نفس الأمر؛ لأن فتوى كل واحد من المفتين مناقضة لفتوى الآخر، وقد استند كل منهما في فتواه إلى دليل.

الثاني: أن فائدة وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعبة هواه، وتخييره بين القولين المتناقضين نقض لهذا الأصل؛ إذ أننا متى خيرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت