الصفحة 136 من 214

المذهب الثاني: أن حكمه حكم المجتهد عند تعارض الأدلة، على الخلاف في ذلك: هل يعمل بالأخف، أو بالأشد، أو يتخير؟

وجهة هذا المذهب: أن عدم وجود المفتي في حق العامي بمنزلة تعارض الأدلة بالنسبة للمجتهد.

الترجيح: والذي يترجح لي في هذه المسألة أنه يتحرى الحق بجهده، ويتقى الله ما استطاع، ويعمل بما يدل على الحق من بعض الأمارات المرجحة ولو بمنام أو إلهام، فإن لم يوجد شيء من ذلك سقط عنه التكليف.

وجه سقوط التكليف عنه عند فقد المفتي إذا لم يكن به علم ما يأتي:

1 -أنه إذا كان المجتهد يسقط عنه التكليف عند تعارض الأدلة عليه - على الصحيح - فالمقلد عند فقد العلم بالعمل رأسًا أحق وأولى.

2 -أن حقيقة هذه المسألة راجعة إلى العمل قبل تعلق الخطاب، والأصل في الأعمال قبل ورود الشرع سقوط التكليف؛ إذ شرط التكليف العلم بالمكلف به.

3 -أنه لو كان مكلفًا بالعمل لكان تكليفًا بما لا يطاق؛ لأنه تكليف بما لا سبيل إلى الوصول إليه ولا يقدر على الامتثال، وهذا محال [1] .

قال ابن القيم -رحمه الله-: والصواب أنه يجب عليه أن يتقي الله ما استطاع، ويتحرى الحق بجهده ومعرفة مثله، وقد نصب الله -تعالى- على الحق أمارات كثيرة، ولم يسوِّ الله -سبحانه وتعالى- بين ما يحبه وبين ما يسخطه من كل وجه، بحيث لا يتميز هذا من هذا، ولا بد أن تكون الفِطَر السليمة مائلة إلى الحق مؤثرة له، ولا بد أن يقوم لها عليه بعض الأمارات المرجّحة ولو بمنام أو إلهام، فإنْ قُدِّرَ إرتفاع ذلك كله،

(1) - انظر إعلام الموقعين جـ 4 ص 219، وانظر الموافقات للشاطبي جـ 4 ص 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت