فهرس الكتاب
حجَّة هذا القول: أن ما رجع عنه ليس مذهبًا له، قياسًا على ما لو تغير اجتهاد من قلَّده في جهة القبلة في أثناء الصلاة، فإنه يتحول مع إمامه.
ونوقش هذا الدليل: بأن القياس ليس نظيرًا لمسألتنا؛ إذ أنَّ تغيُّر اجتهاد من قلده في معرفة القبلة لا يبطل ما فعله المأموم بالاجتهاد؛ وأما لزوم التحوُّل معه ثانيًا فلأن المأموم مأمور بمتابعة إمامه، ونظير مسألتنا هو: إذا تغيَّر اجتهاد مقلَّده بعد الفراغ من الصلاة، فإنه لا تلزمه إعادتها، ويصلي الثانية باجتهاده الثاني.
القول الثاني: إذا كان من أفتاه يفتي على مذهب إمام معين، ورجع لكونه قد ظهر له أنه خالف في فتواه نص مذهب إمامه، فإنه يجب نقض فتواه ويحرُم على المستفتي العمل بها.
حجة هذا القول: أن نصَّ مذهب إمام مفتي المذهب في حقه كنص الشارع في حق المفتي المجتهد المستقل (المطلق) .
ونوقش هذا الدليل: بأن دعوى أن نص مذهب إمام مفتي المذهب في حقه كنص الشارع بالنسبة للمفتي المستقل، ممنوعة؛ لأمرين:
أحدهما: أنه لو كان نص الإمام بمنزلة نص الشارع لحرُم على المفتي وعلى غيره مخالفته، ولو خالفه لكان فاسقًا، لكنه لا يحرم عليه ذلك، ولا يكون فاسقًا بمخالفته.
الثاني: أنه لم يُعْرَف عن أحد من الأئمة أنه أوجب إبطال فتوى المفتي لكونه خالف قول فلان أو مذهب فلان، وإنما الذي يجب إبطاله ونقضه هو ما خالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا للأمة.
الترجيح: والذي يترجح لي في هذه المسألة التفصيل، وأنه لا يحرم على المستفتي العمل بالفتوى الأولى بمجرد رجوعه، بل إذا علم المستفتي برجوع المفتي عن فتواه، فلا يخلو الحال من أن يكون في البلد مفت غيره أو لم يكن.