فهرس الكتاب
أما المناقشة الأولى: فالجواب عنها أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأما المناقشة الثانية: فالجواب عنها أن المسئول عنه عام، يشمل ما نص عليه في الكتاب والسنة، وما لم ينص عليه، مما اجتهد فيه المجتهدون، ووصلوا بالاجتهاد إلى حكم فيه، وقد أُمروا باتباعهم فيما يقولون؛ فكان ذلك دالا على جواز تقليدهم في آرائهم الاجتهادية. أما الأخذ بالرأي مع وجود النص ومخالفته، فهو من تعصب بعض الفقهاء، وهو خارج عن محل النزاع.
الدليل الثاني:
قول الله -تعالى-: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ (( (( (( (( (( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(122) } [1] .
ووجه الاستدلال: أن الله أوجب على الناس قبول نذارة المنذر لهم، وهذا أمر بتقليد العوام للعلماء.
وقد نوقش هذا الدليل بما يأتي:
1 -أن الله -سبحانه- أوجب على الناس قبول ما أنذرهم به من الوحي الذي ينزل في غيبتهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد، وليس في هذا ما يدل على تقديم آراء الرجال على الوحي.
2 -أن الإنذار إنما يقوم بالحجة، والنذير من أقام الحجة، ومن لم يأت بالحجة فليس بنذير، والمنكر والمذموم من أفعال المقلِّدين هو نصْب رجل بعينه يجعل قوله عيارًا [2] على القرآن والسنة، فما وافق قوله منها قُبل، وما خالفه رُدّ، ويقبل قوله بغير حجة، ويرد قول نظيره أو أعلم منه، ولو كانت الحجة معه [3] .
(1) - سورة التوبة آية: 122.
(2) - قال في مختار الصحاح ص 465 عاير المكاييل والموازين عيارًا، والمعيار بالكسر العيار ا. هـ.
(3) - انظر إعلام الموقعين جـ 2 ص 184 و ص 233 - 234، وانظر الإحكام لابن حزم جـ 6 ص 836.