الصفحة 26 من 214

ويجاب عن هاتين المناقشتين: بأننا -وإن سلمنا أن الدليل في غير محل النزاع- لكن لا نسلم تفسير التقليد بالأخذ بقول رجل بعينه دون النبي - صلى الله عليه وسلم - بل فسرناه سابقًا.

الدليل الثالث:

وهو دليل عقلي، لو كان التقليد غير جائز للعامة ومن في حكمهم، وكلفوا الاجتهاد لأدى ذلك إلى ضياع مصالح العباد، وانقطاع الحرث والنسل، وتعطيل الحرف والصنائع، فيؤدي إلى خراب الدنيا، وفي هذا من الحرج ما لا تأتي به الشريعة. قال الله -تعالى- {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [1] .

ونوقش هذا الدليل بما يأتي:

1 -أن قولكم: لو كلف الناس الاجتهاد لضاعت مصالح العباد، معارض بالمثل، وذلك بأن يقال: لو كلفنا التقليد لضاعت أمورنا وفسدت مصالحنا؛ إذ لا ندري من نقلد من الفقهاء والمفتين، فإن عددهم لا يحصيه إلا الله، وهم قد ملأوا الأرض شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالا، فلو كلفنا بالتقليد لوقعنا في أعظم العنت والفساد.

ويجاب عن هذه المناقشة: بأنه لا حرج ولا عنت في التقليد، فليقلِّدْ كل واحد فقهاء بلده والمفتين فيها، ما داموا قد ملأوا الأرض، خصوصًا وأن أصحاب هذه المناقشة يقولون: إن التقليد جائز لمن تقوم بهم الحياة من أرباب الصنائع المختلفة، من زراعة وصناعة وتجارة لا لكل الناس.

2 -ونوقش أيضًا: بأننا لو كلفنا بالتقليد لكل عالم لاجتمع في حقنا النقيضان، وذلك بتحليل هذا الشيء تقليدًا لهذا العالم، وتحريمه تقليدًا لعالم آخر، وإيجاب هذا الشيء تقليدًا لهذا العالم، وإسقاطه تقليدًا لعالم آخر، ولو كلفنا بتقليد الأعلم فالأعلم، لكان في ذلك مشقة، ومعرفة الأحكام من القرآن والسنة أسهل بكثير من معرفة الأعلم

(1) - سورة الحج آية: 78.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت