الصفحة 29 من 214

دليل عقلي: وهو أن المجتهد في الفروع إما مصيب فله أجران وإما مخطأ فله أجر، فهو مثاب على كلا الحالين، فجاز التقليد فيها، بل وجب على العامي، بخلاف الأصول فإنه إذا أخطأ فهو آثم [1] .

الدليل السادس:

قول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [2] .

ووجه الاستدلال: أن الله أمر بطاعة أولي الأمر، وهم العلماء، وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، والأمر للوجوب، فهو أمر بتقليد العوام للعلماء.

ونوقش هذا الدليل بما يأتي:

1 -أن للمفسرين في تفسير أولي الأمر قولين: أحدهما: أنهم الأمراء، والثاني أنهم العلماء، والتحقيق أن الآية تتناول الطائفتين، وعلى كلا التفسيرين فليس في الآية دليل على جواز التقليد، لأن العلماء والأمراء إنما يطاعون في طاعة الله وفق شريعته، لأن العلماء مبلغون لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأمراء منفذون له، وليس في الآية ما يدل على تقديم آراء الرجال على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإيثار التقليد عليها.

ويجاب عن هذه المناقشة: بأننا لا نقول بتقديم آراء الرجال على سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن هذا ليس من مفهوم التقليد الذي هو محل النزاع، بل هو من تعصب بعض الفقهاء.

2 -ونوقش أيضًا: بأن العلماء إنما أرشدوا غيرهم إلى ترك تقليدهم، ونهوهم عن ذلك فطاعتهم ترك تقليدهم.

ويجاب عن هذه المناقشة: بأن العلماء أمروا غيرهم بترك تقليدهم ممن يقدر على الاجتهاد، ويستطيع الاستنباط، ولم يكن لديه مانع من ذلك.

(1) - انظر الإحكام للآمدي جـ 4 ص 228 وما بعدها، وانظر المستصفى جـ 2 ص 124، وروضة الناظر ص 206، وشرح الكوكب المنير ص 411.

(2) - سورة النساء آية: 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت